محمد بن جرير الطبري
171
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
ما إن رأينا مثلهن لمعشر * سود الرؤوس فوالج وفيول فأعاد على الجحد الذي هو ما جحدا ، وهو قوله إن فجمعهما للتوكيد . وقال آخر منهم : ليست لا بحشو في هذا الموضع ، ولا صلة ، ولكن المنع ههنا بمعنى القول . إنما تأويل الكلام : من قال لك لا تسجد إذا أمرتك بالسجود ؟ ولكن دخل في الكلام أن إذا كان المنع بمعنى القول لا في لفظه ، كما يفعل ذلك في سائر الكلام الذي يضارع القول ، وهو له في اللفظ مخالف كقولهم : ناديت أن لا تقم ، وحلفت أن لا تجلس ، وما أشبه ذلك من الكلام . وقال بعض من روى : أبى جوده لا البخل بمعنى : كلمة البخل ، لان لا هي كلمة البخل ، فكأنه قال : كلمة البخل . وقال بعضهم : معنى المنع : الحول بين المرء وما يريده ، قال : والممنوع مضطر به إلى خلاف ما منع منه ، كالممنوع من القيام وهو يريده ، فهو مضطر من الفعل إلى ما كان خلافا للقيام ، إذ كان المختار للفعل هو الذي له السبيل إليه وإلى خلافه ، فيؤثر أحدهما على الآخر فيفعله قال : فلما كانت صفة المنع ذلك ، فخوطب إبليس بالمنع ، فقيل له : ما منعك ألا تسجد كان معناه : كأنه قيل له : أي شئ اضطرك إلى أن لا تسجد . قال أبو جعفر : والصواب عندي من القول في ذلك أن يقال : إن في الكلام محذوفا قد كفى دليل الظاهر منه ، وهو أن معناه : ما منعك من السجود فأحوجك أن لا تسجد ؟ فترك ذكر أحوجك استغناء بمعرفة السامعين . قوله : إلا إبليس لم يكن من الساجدين أن ذلك معنى الكلام من ذكره ، ثم عمل قولهما منعك في أن ما كان عاملا فيه قبل أحوجك لو ظهر إذ كان قد ناب عنه . وإنما قلنا إن هذا القول أولى بالصواب لما قد مضى من دلالتنا قبل على أنه غير جائز أن يكون في كتاب الله شئ لا معنى له ، وأن لكل كلمة معنى صحيحا ، فتبين بذلك فساد قول من قال لا في الكلام حشو لا معنى لها . وأما قول من قال : معنى المنع ههنا : القول ، فلذلك دخلت لا مع أن ، فإن المنع وإن كان قد يكون قولا وفعلا ، فليس المعروف في الناس استعمال المنع في الامر بترك الشئ ، لان المأمور بترك الفعل إذا كان