محمد بن جرير الطبري
164
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
قال : يؤتى بالرجل يوم القيامة إلى الميزان ، فيوضع في الكفة ، فيخرج له تسعة وتسعون سجلا فيها خطاياه وذنوبه . قال : ثم يخرج له كتاب مثل الأنملة ، فيها شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ( ص ) . قال : فتوضع في الكفة فترجح بخطاياه وذنوبه . فكذلك وزن الله أعمال خلقه بأن يوضع العبد وكتب حسناته في كفة من كفتي الميزان ، وكتب سيئاته في الكفة الأخرى ، ويحدث الله تبارك وتعالى ثقلا وخفة في الكفة التي الموزون بها أولى احتجاجا من الله بذلك على خلقه كفعله بكثير منهم من استنطاق أيديهم وأرجلهم ، استشهادا بذلك عليهم ، وما أشبه ذلك من حججه . ويسئل من أنكر ذلك ، فيقال له : إن الله أخبرنا تعالى ذكره أنه يثقل موازين قوم في القيامة ويخفف موازين آخرين ، وتظاهرت الاخبار عن رسول الله ( ص ) بتحقيق ذلك ، فما الذي أوجب لك إنكار الميزان أن يكون هو الميزان الذي وصفنا صفته الذي يتعارفه الناس ؟ أحجة عقل ؟ فقد يقال : وجه صحته من جهة العقل ، وليس في وزن الله جل ثناؤه خلقه وكتب أعمالهم ، لتعريفهم أثقل القسمين منها بالميزان خروج من حكمة ، ولا دخول في جور في قضية ، فما الذي أحال ذلك عندك من حجة أو عقل أو خبر ؟ إذ كان لا سبيل إلى حقيقة القول بإفساد ما لا يدفعه العقل إلا من أحد الوجهين اللذين ذكرت ولا سبيل إلى ذلك . وفي عدم البرهان على صحة دعواه من هذين الوجهين وضوح فساد قوله وصحة ما قاله أهل الحق في ذلك . وليس هذا الموضع من مواضع الاكثار في هذا المعنى على من أنكر الميزان الذي وصفنا صفته ، إذ كان قصدنا في هذا الكتاب البيان عن تأويل القرآن دون غيره ، ولولا ذلك لقرنا إلى ما ذكرنا نظائره ، وفي الذي ذكرنا من ذلك كفاية لمن وفق لفهمه إن شاء الله . القول في تأويل قوله تعالى : * ( ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون ) * . يقول جل ثناؤه : ومن خفت موازين أعماله الصالحة فلم تثقل بإقراره بتوحيد الله والايمان به وبرسوله واتباع أمره ونهيه ، فأولئك الذين غبنوا أنفسهم حظوظها من جزيل ثواب الله وكرامته بما كانوا بآياتنا يظلمون يقول : بما كانوا بحجج الله وأدلته يجحدون ، فلا يقرون بصحتها ، ولا يوقنون بحقيقتها . كالذي :