محمد بن جرير الطبري
165
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
11150 - حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا جرير ، عن الأعمش ، عن مجاهد : ومن خفت موازينه قال : حسناته . وقيل : فأولئك ومن في لفظ الواحد ، لان معناه الجمع ، ولو جاء موحدا كان صوابا فصيحا . القول في تأويل قوله تعالى : * ( ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون ) * . يقول تعالى ذكره : ولقد وطأنا لكم أيها الناس في الأرض ، وجعلناها لكم قرارا تستقرون فيها ، ومهادا تمتهدونها ، وفراشا تفترشونها . وجعلنا لكم فيها معايش تعيشون بها أيام حياتكم ، من مطاعم ومشارب ، نعمة مني عليكم وإحسانا مني إليكم . قليلا ما تشكرون يقول : وأنتم قليل شكركم على هذه النعم التي أنعمتها عليكم لعبادتكم غيري ، واتخاذكم إلها سواي . والمعايش : جمع معيشة . واختلفت القراء في قراءتها ، فقرأ ذلك عامة قراء الأمصار : معايش بغير همز ، وقرأه عبد الرحمن الأعرج : معائش بالهمز . والصواب من القراءة في ذلك عندنا : معايش بغير همز ، لأنها مفاعل من قول القائل : عشت تعيش ، فالميم فيها زائدة والياء في الحكم متحركة ، لان واحدها مفعلة معيشة متحركة الياء ، نقلت حركة الياء منها إلى العين في واحدها فلما جمعت ردت حركتها إليها لسكون ما قبلها وتحركها . وكذلك تفعل العرب بالياء والواو إذا سكن ما قبلهما وتحركتا في نظائر ما وصفنا من الجمع الذي يأتي على مثال مفاعل ، وذلك مخالف لما جاء من الجمع على مثال فعائل التي تكون الياء فيها زائدة ليست بأصل ، فإن ما جاء من الجمع على هذا المثال فالعرب تهمزه كقولهم : هذه مدائن وصحائف ونظائر ، لان مدائن جمع مدينة ، والمدينة : فعيلة من قولهم : مدنت المدينة ، وكذلك صحائف جمع صحيفة ، والصحيفة فعيلة من قولك : صحفت الصحيفة ، فالياء في واحدها زائدة ساكنة ، فإذا جمعت همزت لخلافها في الجمع الياء التي كانت في واحدها ، وذلك أنها كانت في واحدها ساكنة ، وهي في الجمع متحركة ، ولو جعلت مدينة مفعلة من دان يدين ، وجمعت على مفاعل ، كان الفصيح ترك الهمز فيها وتحريك الياء . وربما همزت العرب جمع مفعلة في ذوات الياء والواو وإن كان الفصيح من كلامها ترك الهمز فيها ، إذا جاءت على مفاعل تشبيها منهم جمعها بجمع فعيلة ، كما تشبه مفعلا بفعيل ، فتقول : مسيل الماء ، من سال يسيل ، ثم تجمعها جمع فعيل ، فتقول : هي أمسلة في الجمع تشبيها منهم لها بجمع بعير