محمد بن جرير الطبري
146
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
أريد بالأمثال مقامها فقيل : عشر أمثالها ، فأخرج العشر مخرج عدد الآيات ، والمثل مذكر لا مؤنث ، ولكنها لما وضعت موضع الآيات ، وكان المثل يقع للمذكر والمؤنث ، فجعلت خلفا منها ، فعل بها ما ذكرت ومن قال : عندي عشر أمثالها ، لم يقل : عندي عشر صالحات ، لان الصالحات فعل لا يعد ، وإنما تعد الأسماء والمثل اسم ، ولذلك جاز العدد به . وقد ذكر عن الحسن البصري أنه كان يقرأ ذلك : فله عشر بالتنوين أمثالها بالرفع ، وذلك على وجه صحيح في العربية ، غير أن القراء في الأمصار على خلافها ، فلا نستجيز خلافها ، فيما هي عليه مجتمعة . القول في تأويل قوله تعالى : * ( قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين ) * . يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ( ص ) : قل يا محمد لهؤلاء العادلين بربهم الأوثان والأصنام إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم يقول : قل لهم : إنني أرشدني ربي إلى الطريق القويم ، هو دين الله الذي ابتعثه به ، وذلك الحنيفية المسلمة ، فوفقني له . دينا قيما يقول : مستقيما . ملة إبراهيم يقول : دين إبراهيم . حنيفا يقول : مستقيما . وما كان من المشركين يقول : وما كان من المشركين بالله ، يعني : إبراهيم صلوات الله عليه ، لأنه لم يكن ممن يعبد الأصنام . واختلفت القراء في قراءة قوله : دينا قيما فقرأ ذلك عامة قراء المدينة وبعض البصريين : دينا قيما بفتح القاف وتشديد الياء إلحاقا منهم ذلك بقول الله : ذلك الدين القيم وبقوله : ذلك دين القيمة . وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين : دينا قيما بكسر القاف وفتح الياء وتخفيفها ، وقالوا : القيم والقيم بمعنى واحد ، وهم لغتان معناهما : الدين المستقيم . والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان مشهورتان في قراءة الأمصار ، متفقتا المعنى ، فبأيتهما قرأ القارئ فهو للصواب مصيب ، غير أن فتح القاف وتشديد الياء أعجب إلي ، لأنه أفصح اللغتين وأشهرهما . ونصب قوله : دينا على المصدر من معنى قوله :