محمد بن جرير الطبري

119

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

ثم اختلف أهل التأويل في معنى قوله : تماما على الذي أحسن فقال بعضهم : معناه : تماما على المحسنين . ذكر من قال ذلك : 11029 - حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : تماما على الذي أحسن قال : على المؤمنين . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن نجيح ، عن مجاهد : تماما على الذي أحسن المؤمنين والمحسنين . وكأن مجاهدا وجه تأويل الكلام ومعناه إلى أن الله جل ثناؤه أخبر عن موسى أنه آتاه الكتاب فضيلة على ما آتي المحسنين من عباده . فإن قال قائل : فكيف جاز أن يقال : على الذي أحسن فيوحد الذي ، والتأويل على الذين أحسنوا ؟ قيل : إن العرب تفعل ذلك خاصة في الذي وفي الألف واللام إذا أرادت به الكل والجميع ، كما قال جل ثناؤه : والعصر إن الانسان لفي خسر وكما قالوا : أكثر الذي هم فيه في أيدي الناس . وقد ذكر عن عبد الله بن مسعود أنه كان يقرأ ذلك : تماما على الذين أحسنوا وذلك من قراءته كذلك يؤيد قول مجاهد . وإذا كان المعنى كذلك ، كان قوله : أحسن فعلا ماضيا ، فيكون نصبه لذلك . وقد يجوز أن يكون أحسن في موضع خفض ، غير أنه نصب ، إذ كان أفعل ، وأفعل لا يجري في كلامها . فإن قيل : فبأي شئ خفض ؟ قيل : ردا على الذي إذ لم يظهر له ما يرفعه . فيكون تأويل الكلام حينئذ : ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي هو أحسن ، ثم حذف هو ، وجاور أحسن الذي ، فعرف بتعريفه ، إذ كان كالمعرفة من أجل أن الألف واللام لا يدخلانه ، والذي مثله ، كما تقول العرب : مررت بالذي خير منك وشر منك ، وكما قال الراجز : إن الزبيري الذي مثل الحلم * مسى بأسلابكم أهل العلم فأتبع مثل الذي في الاعراب . ومن قال ذلك لم يقل : مررت بالذي عالم ، لان عالما نكرة والذي معرفة ، ولا تتبع نكرة معرفة .