محمد بن جرير الطبري
19
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
كيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها ؟ فأنزل الله تعالى ذكره : لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم . . . الآية . فهذا يدل على ما قلنا من أن القوم كانوا حرموا على أنفسهم بأيمان حلفوا بها ، فنزلت هذه الآية بسببهم . واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء الحجاز وبعض البصريين : ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان بتشديد القاف ، بمعنى : وكدتم الايمان ورددتموها وقراء الكوفيين : بما عقدتم الايمان بتخفيف القاف ، بمعنى : أوجبتموها على أنفسكم ، وعزمت عليها قلوبكم . وأولى القراءتين بالصواب في ذلك قراءة من قرأ بتخفيف القاف ، وذلك أن العرب لا تكاد تستعمل فعلت في الكلام ، إلا فيما يكون فيه تردد مرة بعد مرة ، مثل قولهم : شددت على فلان في كذا إذا كرر عليه الشد مرة بعد أخرى ، فإذا أرادوا الخبر عن فعل مرة واحدة قيل : شددت عليه بالتخفيف . وقد أجمع الجميع لا خلاف بينهم أن اليمين التي تجب بالحنث فيها الكفارة تلزم بالحنث في حلف مرة واحدة وإن لم يكررها الحالف مرات ، وكان معلوما بذلك أن الله مؤاخذ الحالف العاقد قلبه على حلفه وإن لم يكرره ولم يردده وإذا كان ذلك كذلك لم يكن لتشديد القاف من عقدتم وجه مفهوم . فتأويل الكلام إذن : لا يؤاخذكم الله أيها المؤمنون من أيمانكم بما لغوتم فيه ، ولكن يؤاخذكم بما أوجبتموه على أنفسكم منها وعقدت عليه قلوبكم . وقد بينا اليمين التي هي لغو والتي الله مؤاخذ العبد بها ، والتي فيها الحنث والتي لا حنث فيها ، فيما مضى من كتابنا هذا فكرهنا إعادة ذلك في هذا الموضع . وأما قوله : بما عقدتم الايمان فإن هنادا : 9643 - حدثنا قال : ثنا وكيع ، عن سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان قال : بما تعمدتم . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله .