محمد بن جرير الطبري

88

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

القول في تأويل قوله تعالى : أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا . اختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأه بعض أهل المدينة وعامة قراء الكوفيين : أن صدوكم بفتح الألف من أن بمعنى : لا يجرمنكم بغض قوم بصدهم إياكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا . وكان بعض قراء الحجاز والبصرة يقرأ ذلك : ولا يجرمنكم شنآن قوم إن صدوكم بكسر الألف من إن بمعنى : ولا يجرمنكم شنآن قوم إن هم أحدثوا لكم صدا عن المسجد الحرام ، أن تعتدوا . فزعموا أنها في قراءة ابن مسعود : إن يصدكم فقرأوا ذلك كذلك اعتبارا بقراءته . والصواب من القول في ذلك عندي ، أنهما قراءتان معروفتان مشهورتان في قراءة الأمصار ، صحيح معنى كل واحدة منهما . وذلك أن النبي ( ص ) صد عن البيت هو وأصحابه يوم الحديبية ، وأنزلت عليه سورة المائدة بعد ذلك . فمن قرأ : أن صدوكم بفتح الألف من أن فمعناه : لا يحملنكم بغض قوم أنها الناس من أجل أن صدوكم يوم الحديبية عن المسجد الحرام ، أن تعتدوا عليهم . ومن قرأ : إن صدوكم بكسر الألف ، فمعناه : لا يجرمنكم شنآن قوم إن صدوكم عن المسجد الحرام إذا أردتم دخوله ، لان الذين حاربوا رسول الله ( ص ) وأصحابه من تقريش يوم فتح مكة قد حاولوا صدهم عن المسجد الحرام م قبل أن يكون ذلك من الصادين . غير أن الامر وإن كان كما وصفت ، فإن قراءة ذلك بفتح الألف أبين معنى ، لأن هذه السورة لا تدافع بين أهل العلم في أنها نزلت بعد يوم الحديبية . وإذ كان ذلك كذلك ، فالصد قد كان تقدم من المشركين ، فنهى الله المؤمنين عن الاعتداء على الصادين من أجل صدهم إياهم عن المسجد الحرام ، وأما قوله : أن تعتدوا فإنه يعني : أن تجاوزا الحد الذي حده الله لكم في أمرهم . فتأويل الآية إذن : ولا يحملنكم بغض قوم لان صدوكم عن المسجد الحرام أيها المؤمنون أن تعتدوا حكم الله فيهم فتجاوزوه إلى ما نهاكم عنه ، ولكن ألزموا طاعة الله فيما أحببتم وكرهتم . وذكر أنها نزلت في النهي عن الطلب بذحول الجاهلية . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : أن تعتدوا رجل مؤمن من حلفاء محمد ، قتل حليفا