محمد بن جرير الطبري
74
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
وأولى التأويلات بقوله : لا تحلوا شعائر الله قول عطاء الذي ذكرناه من توجيهه معنى ذلك إلى : لا تحلوا حرمات الله ، ولا تضيعوا فرائضه ، لان الشعائر جمع شعيرة ، والشعيرة : فعيلة من قول القائل : قد شعر فلان بهذا الامر : إذا علم به ، فالشعائر : المعالم من ذلك . وإذا كان ذلك كذلك ، كان معنى الكلام : لا تستحلوا أيها الذين آمنوا معالم الله ، فيدخل في ذلك معالم الله كلها في مناسك الحج ، من تحريم ما حرم الله إصابته فيها على المحرم ، وتضييع ما نهى عن تضييعه فيها ، وفيما حرم من استحلال حرمات حرمه ، وغير ذلك من حدوده وفرائضه وحلاله وحرامه ، لان كل ذلك من معالمه وشعائره التي جعلها أمارات بين الحق والباطل ، يعلم بها حلاله وحرامه وأمره ونهيه . وإنما قلنا ذلك القول أولى بتأويل قوله تعالى : لا تحلوا شعائر الله لان الله نهى عن استحلال شعائره ومعالم حدوده ، وإحلالها نهيا عاما من غير اختصاص شئ من ذلك دون شئ ، فلم يجز لاحد أن يوجه معنى ذلك إلى الخصوص إلا بحجة يجب التسليم لها ، ولا حجة بذلك كذلك . القول في تأويل قوله تعالى : ولا الشهر الحرام . يعني جل ثناؤه بقوله : ولا الشهر الحرام : ولا تستحلوا الشهر الحرام بقتالكم به أعداءكم من المشركين ، وهو كقوله : يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال ابن عباس وغيره . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : ولا الشهر الحرام يعني : لا تستحلوا قتالا فيه . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، قال : كان المشرك يومئذ لا يصد عن البيت ، فأمروا أن لا يقاتلوا في الشهر الحرام ولا عند البيت . وأما الشهر الحرام الذي عناه الله بقوله : ولا الشهر الحرام فرجب مضر ، وهو شهر كانت مضر تحرم فيه القتال . وقد قيل : هو في هذا الموضع ذو القعدة . ذكر من قال ذلك :