محمد بن جرير الطبري

51

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

وروي عن الضحاك أنه كان يقول في ذلك ما : حدثني به جعفر بن محمد البزوري ، قال : ثنا يعلى بن عبيد ، عن الأجلح ، قال : قلت للضحاك : ما المقربون ؟ قال : أقربهم إلى السماء الثانية . القول في تأويل قوله تعالى : ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا . يعني جل ثناؤه بذلك : ومن يتعظم عن عبادة ربه ، ويأنف من التذلل والخضوع له بالطاعة من الخلق كلهم ، ويستكبر عن ذلك ، فسيحشرهم إليه جميعا يقول : فسيبعثهم يوم القيامة جميعا ، فيجمعهم لموعدهم عنده . القول في تأويل قوله تعالى : * ( فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا ) * . . يعني جل ثناؤه بذلك : فأما المؤمنون المقرون بوحدانية الله ، الخاضعون له بالطاعة ، المتذللون له بالعبودية ، والعاملون الصالحات من الأعمال ، وذلك أن يردوا على ربهم ، قد آمنوا به وبرسله ، وعملوا بما أتاهم به رسله من عند ربهم ، من فعل ما أمرهم به ، واجتناب ما أمرهم باجتنابه فيوفيهم أجورهم يقول : فيؤتيهم جزاء أعمالهم الصالحة وافيا تاما . ويزيدهم من فضله يعني جل ثناؤه : ويزيدهم على ما وعدهم من الجزاء على أعمالهم الصالحة والثواب عليها من الفضل والزيادة ما لم يعرفهم مبلغه ولم يحد لهم منتهاه . وذلك أن الله وعد من جاء من عباده المؤمنين بالحسنة الواحدة عشر أمثالها من الثواب والجزاء ، فذلك هو أجر كل عامل على عمله الصالح من أهل الايمان المحدود مبلغه ، والزيادة على ذلك تفضل من الله عليهم ، وإن كان كل ذلك من فضله على عباده غير أن الذي وعد عباده المؤمنين أن يوفيهم فلا ينقصهم من الثواب على أعمالهم الصالحة ، هو ما حد مبلغه من العشر ، والزيادة على ذلك غير محدود مبلغها ، فيزيد من شاء من خلقه على ذلك قدر ما يشاء ، لا حد لقدره يوقف عليه . وقد قال بعضهم : الزيادة إلى سبعمائة ضعف . وقال آخرون : إلى ألفين . وقد ذكرت اختلاف المختلفين في ذلك فيما مضى قبل بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع .