محمد بن جرير الطبري

52

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

وقوله : وأما الذين استنكفوا واستكبروا فإنه يعني : وأما الذين تعظموا عن الاقرار لله بالعبودة والاذعان له بالطاعة ، واستكبروا عن التذلل لألوهته وعبادته وتسليم الربوبية والوحدانية له . فيعذبهم عذابا أليما يعني : عذابا موجعا . ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا يقول : ولا يجد المستنكفون من عبادته والمستكبرون عنها إذا عذبهم الله الأليم من عذابه سوى الله لأنفسهم وليا ينجيهم من عذابه وينقذهم منه . ولا نصيرا : ولا ناصرا ينصرهم ، فيستنقذهم من ربهم ، ويدفع عنهم بقوته ما أحل بهم من نقمته ، كالذي كانوا يفعلون بهم إذا أرادهم غيرهم من أهل الدنيا في الدنيا بسوء من نصرتهم والمدافعة عنهم . القول في تأويل قوله تعالى : * ( يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا ) * . . يعني جل ثناؤه بقوله : يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم : يا أيها الناس من جميع أصناف الملل ، يهودها ونصاراها ومشركيها ، الذين قص الله جل ثناؤه قصصهم في هذه السورة قد جاءكم برهان من ربكم يقول : قد جاءتكم حجة من الله تبرهن لكم بطول ما أنتم عليه مقيمون من أديانكم ومللكم ، وهو محمد ( ص ) ، الذي جعله الله عليكم حجة قطع بها عذركم ، وأبلغ إليكم في المعذرة بإرساله إليكم ، مع تعريفه إياكم صحة نبوته وتحقيق رسالته . وأنزلنا إليكم نورا مبينا يقول : وأنزلنا إليكم معه نورا مبينا ، يعني : يبين لكم المحجة الواضحة والسبل الهادية إلى ما فيه لكم النجاة من عذاب الله وأليم عقابه إن سلكتموها واستنرتم بضوئه . وذلك النور المبين هو القرآن الذي أنزله الله على محمد ( ص ) . وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : برهان من ربكم قال : حجة . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم : أي بينة من ربكم ، وأنزلنا إليكم نورا مبينا ، وهو هذا القرآن .