محمد بن جرير الطبري

47

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

يعني جل ثناؤه بقوله : إنما المسيح عيسى ابن مريم : ما المسيح أيها الغالون في دينهم من أهل الكتاب بابن الله كما تزعمون ، ولكنه عيسى ابن مريم دون غيرها من الخلق ، لا نسب له غير ذلك . ثم نعته الله جل ثناؤه بنعته ووصفه بصفته ، فقال : هو رسول الله ، أرسله الله بالحق إلى من أرسله إليه من خلقه . وأصل المسيح : الممسوح ، صرف من مفعول إلى فعيل ، وسماه الله بذلك لتطهيره إياه من الذنوب وقيل : مسح من الذنوب والأدناس التي تكون في الآدميين ، كما يمسح الشئ من الأذى الذي يكون فيه فيطهر منه ، ولذلك قال مجاهد ومن قال مثل قوله : المسيح : الصديق . وقد زعم بعض الناس أن أصل هذه الكلمة عبرانية أو سريانية مشيحا فعربت ، فقيل المسيح ، كما عرب سائر أسماء الأنبياء التي في القرآن مثل إسماعيل وإسحاق وموسى وعيسى . قال أبو جعفر : وليس ما مثل به من ذلك للمسيح بنظير وذلك أن إسماعيل وإسحاق وما أشبه ذلك ، أسماء لا صفات ، والمسيح صفة ، وغير جائز أن تخاطب العرب وغيرها من أجناس الخلق في صفة شئ إلا بمثل ما يفهم عمن خاطبها ، ولو كان المسيح من غير كلام العرب ولم تكن العرب تعقل معناه ما خوطبت به . وقد أتينا من البيان عن نظائر ذلك فيما مضى بما فيه الكفاية عن إعادته . وأما المسيح الدجال ، فإنه أيضا بمعنى الممسوح العين ، صرف من مفعول إلى فعيل ، فمعنى المسيح في عيسى ( ص ) : الممسوح البدن من الأدناس والآثام ، ومعنى المسيح في الدجال : الممسوح العين اليمنى أو اليسرى كالذي روي عن رسول الله ( ص ) في ذلك . وأما قوله : وكلمته ألقاها إلى مريم فإنه يعني بالكلمة : الرسالة التي أمر الله ملائكته أن تأتي مريم بها ، بشارة من الله لها التي ذكر الله جل ثناؤه في قوله : إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه يعني : برسالة منه ، وبشارة من عنده . وقد قال قتادة في ذلك ، ما :