محمد بن جرير الطبري

48

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

حدثنا به الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر عن قتادة : وكلمته ألقاها إلى مريم قال : هو قوله : كن فكان . وقد بينا اختلاف المختلفين من أهل الاسلام في ذلك فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . وقوله : ألقاها إلى مريم يعني : أعلمها بها وأخبرها ، كما يقال : ألقيت إليك كلمة حسنة ، بمعنى أخبرتك بها ، وكلمتك بها . وأما قوله : وروح منه فإن أهل العلم اختلفوا في تأويله ، فقال بعضهم : معنى قوله : وروح منه : ونفخة منه ، لأنه حدث عن نفخة جبريل عليه السلام في درع مريم بأمر الله إياه بذلك ، فنسب إلى أنه روح من الله ، لأنه بأمره ، كان ، قال : وإنما سمي النفخ روحا لأنها ريح تخرج من الروح ، واستشهدوا على ذلك من قولهم بقول ذي الرمة في صفة نار نعتها : فلما بدت كفنتها وهي طفلة * بطلساء لم تكمل ذراعا ولا شبرا وقلت له ارفعها إليك وأحيها * بروحك واقتته لها قيتة قدرا وظاهر لها من بائس الشخت واستعن * عليها الصبا واجعل يديك لها سترا فلما جرت للجزل جريا كأنه * سنا البرق أحدثنا لخالقها شكرا وقالوا : يعني بقوله : أحيها بروحك : أي أحيها بنفخك . وقال بعضهم : يعني بقوله : وروح منه : أنه كان إنسانا بإحياء الله له بقوله : كن ، قالوا : وإنما معنى قوله : وروح منه : وحياة منه ، بمعنى : إحياء الله إياه بتكوينه . وقال بعضهم : معنى قوله : وروح منه ورحمة منه كما قال جل ثناؤه في موضع آخر : وأيدهم بروح منه . قال : ومعناه في هذا الموضع : ورحمة منه . قال : فجعل الله عيسى رحمة منه على من اتبعه وآمن به وصدقه ، لأنه هداهم إلى سبيل الرشاد .