محمد بن جرير الطبري
44
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
( يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم فآمنوا خيرا لكم وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات والأرض وكان الله عليما حكيما ) * . . يعني بقوله جل ثناؤه : يا أيها الناس مشركي العرب ، وسائر أصناف الكفر . قد جاءكم الرسول يعنى : محمدا ( ص ) ، قد جاءكم بالحق من ربكم يقول : بالاسلام الذي ارتضاه الله لعباده دينا ، يقول : من ربكم : يعني من عند ربكم . فآمنوا خيرا لكم يقول : فصدقوه وصدقوا بما جاءكم به من عند ربكم من الدين ، فإن الايمان بذلك خير لكم من الكفر به . وإن تكفروا يقول : وإن تجحدوا رسالته ، وتكذبوا به وبما جاءكم به من عند ربكم ، فإن جحودكم ذلك وتكذيبكم به لن يضر غيركم ، وإنما مكروه ذلك عائد عليكم دون الله الذي أمركم بالذي بعث به إليكم رسوله محمدا ( ص ) ، وذلك أن لله ما في السماوات والأرض ملكا وخلقا ، لا ينقص كفركم بما كفرتم به من أمره ، وعصيانكم إياه فيما عصيتموه فيه من ملكه وسلطانه شيئا . وكان الله عليما حكيما يقول : وكان الله عليما بما أنتم صائرون إليه من طاعته فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه ومعصيته في ذلك ، وعلى علم منه بذلك منكم أمركم ونهاكم . حكيما يعني : حكيما في أمره إياكم بما أمركم به وفي نهيه إياكم عما نهاكم عنه ، وفي غير ذلك من تدبيره فيكم وفي غيركم من خلقه . واختلف أهل العربية في المعنى الذي من أجله نصب قوله : خيرا لكم فقال بعض نحويي الكوفة : نصب خيرا على الخروج مما قبله من الكلام ، لان ما قبله من الكلام قد تم ، وذلك قوله : فآمنوا ، وقال : قد سمعت العرب تفعل ذلك في كل خبر كان تاما ثم اتصل به كلام بعد تمامه على نحو اتصال خير بما قبله ، فتقول : لتقومن خيرا لك ، ولو فعلت ذلك خيرا لك ، واتق الله خيرا لك . قال : وأما إذا كان الكلام ناقصا ، فلا يكون إلا بالرفع كقولك : إن تتق الله خير لك ، ( وأن تصبروا خير لكم ) . وقال آخر منهم : جاء النصب في خير ، لان أصل الكلام : فآمنوا هو خير لكم ، فلما سقط هو الذي هو مصدر اتصل الكلام بما قبله ، والذي قبله معرفة وخير نكرة ، فانتصب لاتصاله بالمعرفة ، لان الاضمار من الفعل : قم فالقيام خير لك ، ولا تقم فترك