محمد بن جرير الطبري
423
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
وقد قال جماعة من أهل التأويل بنحو قولنا في أنه عنى بهذه الآيات : النصارى . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة قال : قالت النصارى : هو المسيح وأمه ، فذلك قول الله تعالى : أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال مجاهد : لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة نحوه . القول في تأويل قوله تعالى : * ( أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم ) * . . يقول تعالى ذكره : أفلا يرجع هذان الفريقان الكافران ، القائل أحدهما : إن الله هو المسيح ابن مريم والآخر القائل : إن الله ثالث ثلاثة ، عما قالا من ذلك ، ويتوبان مما قالا وقطعا به من كفرهما ، ويسألان ربهما المغفرة مما قالا . والله غفور لذنوب التائبين من خلقه ، المنيبين إلى طاعته بعد معصيتهم ، رحيم بهم ي قبوله توبتهم ومراجعتهم إلى ما يحب مما يكره ، فيصفح بذلك من فعلهم عما سلف من إجرامهم قبل ذلك . القول في تأويل قوله تعالى : * ( ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون ) * . . وهذا ( خبر ) من الله تعالى ذكره احتجاجا لنبيه محمد ( ص ) على فرق النصارى في قولهم في المسيح . يقول مكذبا لليعقوبية في قيلهم : هو الله ، والآخرين في قيلهم : هو ابن الله : ليس القول كما قال هؤلاء الكفرة في المسيح ، ولكنه ابن مريم ولدته ولادة الأمهات أبناءهن ، وذلك من صفة البشر لا من صفة خالق البشر ، وإنما هو لله رسول كسائر رسله الذين كانوا قبله فمضوا وخلوا ، أجرى على يده ما شاء أن يجريه عليها من الآيات والعبر حجة له على صدقه وعلى أنه لله رسول إلى من أرسله إليه من خلقه ، كما أجرى على أيدي من قبله من الرسل من الآيات والعبر حجة لهم على حقيقة صدقهم في أنهم لله رسل . وأمه