محمد بن جرير الطبري
424
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
صديقة يقول تعالى ذكره : وأم المسيح صديقة ، والصديقة : الفعيلة من الصدق ، وكذلك قولهم فلان صديق : فعيل من الصدق ، ومنه قوله تعالى ذكره : والصديقين والشهداء . وقد قيل : إن أبا بكر الصديق رضي الله عنه إنما قيل له الصديق لصدقه ، وقد قيل : إنما سمي صديقا لتصديقه النبي ( ص ) في مسيره في ليلة واحدة إلى بيت المقدس من مكة وعوده إليها . وقوله : كانا يأكلان الطعام خبر من الله تعالى ذكره عن المسيح وأمه أنهما كانا أهل حاجة إلى ما يغذوهما وتقوم به أبدانهما من المطاعم والمشارب كسائر البشر من بني آدم . فإن من كان كذلك ، فغير كائن إلها لان المحتاج إلى الغذاء قوامه بغيره ، وفي قوامه بغيره وحاجته إلى ما يقيمه دليل واضح على عجزه ، والعاجز لا يكون إلا مربوبا لا ربا . القول في تأويل قوله تعالى : انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون . يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ( ص ) : انظر يا محمد كيف نبين لهؤلاء الكفرة من اليهود والنصارى الآيات ، وهي الأدلة والاعلام والحجج على بطول ما يقولون في أنبياء الله ، وفي فريتهم على الله ، وادعائهم له ولدا ، وشهادتهم لبعض خلقه بأنه لهم رب وإله ، ثم لا يرتدعون عن كذبهم وباطل قيلهم ، ولا ينزجرون عن فريتهم على ربهم وعظيم جهلهم ، مع ورود الحجج القاطعة عذرهم عليهم . يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ( ص ) : ثم انظر يا محمد أنى يؤفكون ؟ يقول : ثم انظر مع تبييننا لهم آياتنا على بطول قولهم : أي وجه يصرفون عن بياننا الذي بينته لهم ، وكيف عن الهدى الذي نهديهم إليه من الحق يضلون ؟ والعرب تقول لكل مصروف عن شئ : هو مأفوك عنه ، يقال : قد أفكت فلانا عن كذا : أي صرفته عنه ، فأنا آفكه أفكا ، وهو مأفوك ، وقد أفكت الأرض : إذا صرف عنها المطر . القول في تأويل قوله تعالى : * ( قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا والله هو السميع العليم ) * . . وهذا أيضا احتجاج من الله تعالى ذكره لنبيه ( ص ) على النصارى القائلين في المسيح ما وصف من قيلهم فيه قبل . يقول تعالى ذكره لمحمد ( ص ) : قل يا محمد لهؤلاء الكفرة من