محمد بن جرير الطبري

422

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

الله عليه الجنة أن يسكنها في الآخرة ، ومأواه النار يقول : ومرجعه ومكانه الذي يأوي إليه ويصير في معاده ، من جعل لله شريكا في عبادته نار جهنم . وما للظالمين يقول : وليس لمن فعل غير ما أباح الله له وعبد غير الذي له عبادة الخلق ، من أنصار ينصرونه يوم القيامة من الله ، فينقذونه منه إذا أورده جهنم . القول في تأويل قوله تعالى : * ( لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم ) * . . وهذا أيضا خبر من الله تعالى ذكره عن فريق آخر من الإسرائيليين الذين وصف صفتهم في الآيات قبل أنه لما ابتلاهم بعد حسبانهم أنهم لا يبتلون ولا يفتنون ، قالوا كفرا بربهم وشركا : الله ثالث ثلاثة . وهذا قول كان عليه جماهير النصارى قبل افتراق اليعقوبية والملكانية والنسطورية ، كانوا فيما بلغنا يقولون : الاله القديم جوهر واحد يعم ثلاثة أقانيم : أبا والدا غير مولود ، وابنا مولودا غير والد ، وزوجا متتبعة بينهما . يقول الله تعالى ذكره مكذبا لهم فيما قالوا من ذلك : وما من إله إلا إله واحد يقول : ما لكم معبود أيها الناس إلا معبود واحد ، وهو الذي ليس بوالد لشئ ولا مولود ، بل هو خالق كل والد ومولود . وإن لم ينتهوا عما يقولون يقول : إن لم ينتهوا قائلوا هذه المقالة عما يقولون من قولهم : الله ثالث ثلاثة ، ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم يقول : ليمسن الذين يقولون هذه المقالة ، والذين يقولون المقالة الأخرى هو المسيح ابن مريم لان الفريقين كلاهما كفرة مشركون ، فلذلك رجع في الوعيد بالعذاب إلى العموم . ولم يقل : ليمسنهم عذاب أليم ، لان ذلك لو قيل كذلك صار الوعيد من الله تعالى ذكره خاصا لقائل القول الثاني ، وهم القائلون : الله ثالث ثلاثة ، ولم يدخل فيهم القائلون : المسيح هو الله . فعم بالوعيد تعالى ذكره كل كافر ، ليعلم المخاطبون بهذه الآيات أن وعيد الله وقد شمل كلا الفريقين من بين إسرائيل ومن كان من الكفار على مثل الذي هم عليه . فإن قال قائل : وإن كان الامر على ما وصفت فعلى من عادت الهاء والميم اللتان في قوله : منهم ؟ قيل : على بني إسرائيل . فتأويل الكلام إذ أن الامر على ما وصفنا : وإن لم ينته هؤلاء الإسرائيليون عما يقولون في الله من عظيم القول ، ليمسن الذين يقولون منهم إن المسيح هو الله والذين يقولون إن الله ثالث ثلاثة وكل كافر سلك سبيلهم عذاب أليم بكفرهم بالله .