محمد بن جرير الطبري

392

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

موادتهم ومحالفتهم ، والتمسك بحلفهم والاعتداء بهم أولياء ، وأعلمهم أنهم لا يألونهم خبالا ، وفي دينهم طعنا وعليه إزراء . وأما الكفار الذين ذكرهم الله تعالى ذكره في قوله : من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء فإنهم المشركون من عبدة الأوثان نهى الله المؤمنين أن يتخذوا من أهل الكتاب ومن عبدة الأوثان وسائر أهل الكفر أولياء دون المؤمنين . وكان ابن مسعود فيما : حدثني به أحمد بن يوسف ، قال : ثنا القاسم بن سلام ، قال : ثنا حجاج ، عن هارون ، عن ابن مسعود ، يقرأ : من الذين أتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا . ففي هذا بيان صحة التأويل الذي تأولناه في ذلك . واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته جماعة من أهل الحجاز والبصرة والكوفة : والكفار أولياء بخفض الكفار ، بمعنى : يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ، ومن الكفار أولياء . وكذلك ذلك في قراءة أبي بن كعب فيما بلغنا : من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الكفار أولياء . وقرأ ذلك عامة قراء أهل المدينة والكوفة : والكفار أولياء بالنصب ، بمعنى : يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا والكفار ، عطفا بالكفار على الذين اتخذوا . والصواب من القول في ذلك أن يقال : إنهما قراءتان متفقتا المعنى صحيحتا المخرج ، قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القراء ، فبأي ذلك قرأ القارئ فقد أصاب لان النهي عن اتخاذ ولي من الكفار نهي عن اتخاذ جميعهم أولياء ، والنهي عن اتخاذ جميعهم أولياء نهي عن اتخاذ بعضهم وليا . وذلك أنه غير مشكل على أحد من أهل الاسلام أن الله تعالى ذكره إذا حرم اتخاذ ولي من المشركين على المؤمنين ، أنه لم يبح لهم اتخاذ جميعهم أولياء ، ولا إذا حرم اتخاذ جميعهم أولياء أنه لم يخصص إباحة اتخاذ بعضهم وليا ، فيجب من أجل إشكال ذلك عليهم طلب الدليل على أولى القراءتين في ذلك بالصواب . وإذ كان ذلك كذلك ، فسواء قرأ القارئ بالخفض أو بالنصب لما ذكرنا من العلة . وأما قوله : واتقوا الله إن كنتم مؤمنين فإنه يعني : وخافوا الله أيها المؤمنون في هؤلاء الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب ومن الكفار أن تتخذوهم