محمد بن جرير الطبري

363

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

عن قوله : وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه قال : مصدقا لهذه الكتب وأمينا عليها . وسئل عنها عكرمة وأنا أسمع ، فقال : مؤتمنا عليه . وقال آخرون : معنى المهيمن المصدق . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : ومهيمنا عليه قال : مصدقا عليه . كل شئ أنزله الله من توراة أو إنجيل أو زبور فالقرآن مصدق على ذلك ، وكل شئ ذكر الله في القرآن فهو مصدق عليها وعلى ما حدث عنها أنه حق . وقال آخرون : عنى بقوله : مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه نبي الله ( ص ) . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : ومهيمنا عليه محمد ( ص ) ، مؤتمن على القرآن . حدثنا محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : ومهيمنا عليه قال : محمد ( ص ) ، مؤتمن على القرآن . فتأويل الكلام على ما تأوله مجاهد : وأنزلنا الكتاب مصدقا الكتب قبله إليك ، مهيمنا عليه . فيكون قوله مصدقا حالا من الكتاب وبعضا منه ، ويكون التصديق من صفة الكتاب ، والمهيمن حالا من الكاف التي في إليك ، وهي كناية عن ذكر اسم النبي ( ص ) ، والهاء في قوله : عليه عائدة على الكتاب . وهذا التأويل بعيد من المفهوم في كلام العرب ، بل هو خطأ ، وذلك أن المهيمن عطف على المصدق ، فلا يكون إلا من صفة ما كان المصدق صفة له ، ولو كان معنى الكلام ما روي عن مجاهد لقيل : وأنزلنا إليك الكتاب مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه لأنه متقدم من صفة الكاف التي في إليك ، وليس بعدها شئ يكون مهيمنا عليه عطفا عليه ، وإنما عطف به على المصدق ، لأنه من صفة الكتاب الذي من صفته المصدق . فإن ظن ظان أن المصدق على قول مجاهد وتأويله هذا من صفة الكاف التي في إليك ، فإن قوله : لما بين يديه من الكتاب يبطل أن يكون تأويل ذلك كذلك ، وأن يكون المصدق من صفة الكاف التي في إليك ، لان الهاء في قوله : بين يديه كناية اسم غير المخاطب ، وهو النبي ( ص ) في قوله إليك ، ولو كان المصدق من صفة الكاف لكان