محمد بن جرير الطبري
318
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المدارس ، فقال لهم : يا معشر اليهود أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى ماذا تجدون في التوراة من العقوبة على من زنى وقد أحصن ؟ قالوا : إنا نجده يحمم ويجلده . وسكت حبرهم في جانب البيت . فلما رأى رسول الله ( ص ) صمته ألظ به النشدة ، فقال حبرهم : اللهم إذ نشدتنا فإنا نجد عليهم الرجم . فقال له رسول الله ( ص ) : فماذا كان أول ما ترخصتم به أمر الله ؟ قال : زنى ابن عم ملك فلم يرجمه ، ثم زنى رجل آخر في أسرة من الناس ، فأراد ذلك الملك رجمه ، فقام دونه قومه ، فقالوا : والله لا ترجمه حتى ترجم فلانا ابن عم الملك فاصطلحوا بينهم عقوبة دون الرجم ، وتركوا الرجم . فقال رسول الله ( ص ) : فإني أقضي بما في التوراة . فأنزل الله في ذلك : يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر . . . إلى قوله : ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون . وقال آخرون : بل عني بذلك المنافقون . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن عبد الله بن كثير في قوله : يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم قال : هم المنافقون . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : آمنا بأفواههم قال : يقول هم المنافقون . وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب أن يقال : عني بذلك : لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم : قوم من المنافقين . وجائز أن يكون كان ممن دخل في هذه الآية ابن صوريا ، وجائز أن يكون أبو لبابة ، وجائز أن يكون غيرهما . غير أن أثبت شئ روي في ذلك ما ذكرناه من الرواية قبل عن أبي هريرة والبراء بن عازب ، لان ذلك عن رجلين من أصحاب رسول الله ( ص ) . وإذا كان ذلك كذلك ، كان الصحيح من القول فيه أن يقال : عني به عبد الله بن صوريا . وإذا صح ذلك كان تأويل الآية : يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في جحود نبوتك والتكذيب بأنك لي نبي من الذين قالوا : صدقنا بك يا محمد أنك لله رسول مبعوث ، وعلمنا بذلك يقينا بوجودنا