محمد بن جرير الطبري

298

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

وقال آخرون : معنى النفي من الأرض في هذا الموضع : الحبس ، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه . وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب في قول من قال : معنى النفي من الأرض في هذا الموضع : هو نفيه من بلد إلى بلد غيره وحبسه في السجن في البلد الذي نفي إليه ، حتى تظهر توبته من فسوقه ونزوعه عن معصيته ربه . وإنما قلت ذلك أولى الأقوال بالصحة ، لان أهل التأويل اختلفوا في معنى ذلك على أحد الأوجه الثلاثة التي ذكرت . وإذ كان ذلك كذلك ، وكان معلوما أن الله جل ثناؤه إنما جعل جزاء المحارب : القتل أو الصلب ، أو قطع اليد والرجل من خلاف ، بعد القدرة عليه لا في حال امتناعه كان معلوما أن النفي أيضا إنما هو جزاؤه بعد القدرة عليه لا قبلها ، ولو كان هروبه من الطلب نفيا له من الأرض ، كان قطع يده ورجله من خلاف في حال امتناعه وحربه على وجه القتال بمعنى إقامة الحد عليه بعد القدرة عليه . وفي إجماع الجميع أن ذلك لا يقوم مقام نفيه الذي جعله الله عز وجل حدا له بعد القدرة عليه . وإذ كان ذلك كذلك ، فمعلوم أنه لم يبق إلا الوجهان الآخران ، وهو النفي من بلدة إلى أخرى غيرها أو السجن . فإذ كان كذلك ، فلا شك أنه إذا نفي من بلدة إلى أخرى غيرها فلم ينف من الأرض ، بل إنما نفي من أرض دون أرض . وإذ كان ذلك كذلك ، وكان الله جل ثناؤه إنما أمر بنفيه من الأرض ، كان معلوما أنه لا سبيل إلى نفيه من الأرض إلا بحبسه في بقعة منها عن سائرها ، فيكون منفيا حينئذ عن جميعها ، إلا مما لا سبيل إلى نفيه منه . وأما معنى النفي في كلام العرب : فهو الطرد ، ومن ذلك قول أوس بن حجر : ينفون عن طرق الكرام كما * ينفي المطارق ما يلي القرد ومنه قيل للدراهم الرديئة وغيرها من كل شئ : النفاية . وأما المصدر من نفيت ، فإنه