محمد بن جرير الطبري
285
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
وقال بعضهم : بل فعل النبي ( ص ) بالعرنيين حكم ثابت في نظرائهم أبدا ، لم ينسخ ولم يبدل . وقوله : إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله . . . الآية ، حكم من الله فيمن حارب وسعى في الأرض فسادا بالحرابة . قالوا : والعرنيون ارتدوا وقتلوا وسرقوا وحاربوا الله ورسوله ، فحكمهم غير حكم المحارب الساعي في الأرض بالفساد من أهل الاسلام والذمة . وقال آخرون : لم يسمل النبي ( ص ) أعين العرنيين ، ولكنه كان أراد أن يسمل ، فأنزل الله عز وجل هذه الآية على نبيه يعرفه الحكم فيهم ونهاه عن سمل أعينهم . ذكر القائلين ما وصفنا : حدثني علي بن سهل ، قال : ثنا الوليد بن مسلم ، قال : ذاكرت الليث بن سعد ما كان من سمل رسول الله ( ص ) أعينهم وتركه حسمهم حتى ماتوا ، فقال : سمعت محمد بن عجلان يقول : أنزلت هذه الآية على رسول الله ( ص ) معاتبة في ذلك ، وعلمه عقوبة مثلهم من القطع والقتل والنفي ، ولم يسمل بعدهم غيرهم . قال : وكان هذا القول ذكر لأبي عمرو ، فأنكر أن تكون نزلت معاتبة ، وقال : بلى كانت عقوبة أولئك النفر بأعيانهم ، ثم نزلت هذه الآية في عقوبة غيرهم ممن حارب بعدهم فرفع عنهم السمل . حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثني أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قال : فبعث رسول الله ( ص ) ، فأتي بهم يعني العرنيين فأراد أن يسمل أعينهم ، فنهاه الله عن ذلك ، وأمره أن يقيم فيهم الحدود كما أنزلها الله عليه . واختلف أهل العلم في المستحق اسم المحارب لله ورسوله الذي يلزمه حكم هذه ، فقال بعضهم : هو اللص الذي يقطع الطريق . ذكر من قال ذلك : حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، وعطاء الخراساني في قوله : إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا . . . الآية ، قالا : هذا هو اللص الذي يقطع الطريق ، فهو محارب . وقال آخرون : هو اللص المجاهر بلصوصيته ، المكابر في المصر وغيره . وممن قال ذلك الأوزاعي . حدثنا بذلك العباس عن أبيه عنه .