محمد بن جرير الطبري
212
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
وأعجب القراءتين إلي في ذلك قراءة من قرأ : وجعلنا قلوبهم قسية على فعية ، لأنها أبلغ في ذم القوم من قاسية . وأولى التأويلين في ذلك بالصواب تأويل من تأوله فعيلة من القسوة ، كما قيل : نفس زكية وزاكية ، وامرأة شاهدة وشهيدة لان الله جل ثناؤه وصف القوم بنقضهم ميثاقهم وكفرهم به ، ولم يصفهم بشئ من الايمان ، فتكون قلوبهم موصوفة بأن إيمانها يخالطه كفر كالدراهم القسية التي يخالط فضتها غش . القول في تأويل قوله تعالى : يحرفون الكلم عن مواضعه . يقول عز ذكره : وجعلنا قلوب هؤلاء الذين نقضوا عهودنا من بني إسرائيل قسية ، منزوعا منها الخير ، مرفوعا منها التوفيق ، فلا يؤمنون ، ولا يهتدون ، فهم لنزع الله عز وجل التوفيق من قلوبهم والايمان يحرفون كلام ربهم الذي أنزله على نبيهم موسى ( ص ) ، وهو التوراة ، فيبدلونه ويكتبون بأيديهم غير الذي أنزله الله عز وجل على نبيهم ويقولون لجهال الناس : هذا هو كلام الله الذي أنزله على نبيه موسى ( ص ) والتوراة التي أوحاها إليه . وهذا من صفة القرون التي كانت بعد موسى من اليهود ممن أدرك بعضهم عصر نبينا محمد ( ص ) ، ولكن الله عز ذكره أدخلهم في عداد الذين ابتدأ الخبر عنهم ممن أدرك موسى منهم ، إذ كانوا من أبنائهم وعلى منهاجهم في الكذب على الله والفرية عليه ونقض المواثيق التي أخذها عليهم في التوراة . كما : حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : يحرفون الكلم عن مواضعه يعني : حدود الله في التوراة ، ويقولون : إن أمركم محمد بما أنتم عليه فاقبلوه ، وإن خالفكم فاحذروا . القول في تأويل قوله تعالى : ونسوا حظا مما ذكروا به . يعني تعالى ذكره بقوله : ونسوا حظا : وتركوا نصيبا ، وهو كقوله : نسوا الله فنسيهم أي تركوا أمر الله فتركهم الله وقد مضى بيان ذلك بشواهده في غير هذا الموضع فأغني ذلك عن إعادته . وبالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك :