محمد بن جرير الطبري

26

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

والجسد والحملان ، قال : وإن كان في جسده ما لا يستطيع الحج فليس عليه الحج ، وإن كان له قوة في مال ، كما إذا كان صحيح الجسد ولا يجد مالا ولا قوة ، يقولون : لا يكلف أن يمشي . وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب ، قول من قال بقول ابن الزبير وعطاء ، إن ذلك على قدر الطاقة ، لان السبيل في كلام العرب : الطريق ، فمن كان واجدا طريقا إلى الحج لا مانع له منه من زمانة ، أو عجز ، أو عدو ، أو قلة ماء في طريقه ، أو زاد ، وضعف عن المشي ، فعليه فرض الحج لا يجزيه إلا أداؤه فإن لم يكن واجدا سبيلا ، أعني بذلك : فإن لم يكن مطيقا الحج بتعذر بعض هذه المعاني التي وصفناها عليه ، فهو ممن لا يجد إليه طريقا ، ولا يستطيعه ، لان الاستطاعة إلى ذلك هو القدرة عليه ، ومن كان عاجزا عنه ببعض الأسباب التي ذكرنا أو بغير ذلك ، فهو غير مطيق ولا مستطيع إليه السبيل . وإنما قلنا هذه المقالة أولى بالصحة مما خالفها ، لان الله عز وجل لم يخصص إذ ألزم الناس فرض الحج بعض مستطيعي السبيل إليه بسقوط فرض ذلك عنه فذلك على كل مستطيع إليه سبيلا بعموم الآية . فأما الاخبار التي رويت عن رسول الله ( ص ) في ذلك بأنه الزاد والراحلة ، فإنها أخبار في أسانيدها نظر ، لا يجوز الاحتجاج بمثلها في الدين . واختلف القراء في قراءة الحج ، فقرأ ذلك جماعة من قراء أهل المدينة والعراق بالكسر : * ( ولله على الناس حج البيت ) * ، وقرأ ذلك جماعة أخر منهم بالفتح : ولله على الناس حج البيت وهما لغتان معروفتان للعرب ، فالكسر لغة أهل نجد ، والفتح لغة أهل العالية ، ولم نر أحدا من أهل العربية ادعى فرقا بينهما في معنى ولا غيره غير ما ذكرنا من اختلاف اللغتين ، إلا ما : حدثنا به أبو هشام الرفاعي ، قال : قال حسن الجعفي : الحج مفتوح : اسم ، والحج مكسور : عمل . وهذا قول لم أر أهل المعرفة بلغات العرب ومعاني كلامهم يعرفونه ، بل رأيتهم مجمعين على ما وصفت من أنهما لغتان بمعنى واحد . والذي نقول به في قراءة ذلك ، أن القراءتين إذ كانتا مستفيضتين في قراءة أهل الاسلام ، ولا اختلاف بينهما في معنى ولا