محمد بن جرير الطبري
13
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
عن موسى ( ص ) على المنبر ، قال : وقع في نفس موسى هل ينام الله تعالى ذكره ؟ فأرسل الله إليه ملكا فأرقه ثلاثا ، ثم أعطاه قارورتين ، في كل يد قارورة ، وأمره أن يحتفظ بهما قال : فجعل ينام وتكاد يداه تلتقيان ، ثم يستيقظ فيحبس إحداهما عن الأخرى ، ثم نام نومة فاصطفقت يداه وانكسرت القارورتان . قال : ضرب الله مثلا له ، أن الله لو كان ينام لم تستمسك السماء والأرض . القول في تأويل قوله تعالى : * ( له ما في السماوات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ) * . يعني تعالى ذكره بقوله : * ( له ما في السماوات وما في الأرض ) * أنه مالك جميع ذلك بغير شريك ولا نديد ، وخالق جميعه دون كل آلهة ومعبود . وإنما يعني بذلك أنه لا تنبغي العبادة لشئ سواه ، لان المملوك إنما هو طوع يد مالكه ، وليس له خدمة غيره إلا بأمره . يقول : فجميع ما في السماوات والأرض ملكي وخلقي ، فلا ينبغي أن يعبد أحد من خلقي غيري وأنا مالكه ، لأنه لا ينبغي للعبد أن يعبد غير مالكه ، ولا يطيع سوى مولاه . وأما قوله : * ( من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ) * يعني بذلك : من ذا الذي يشفع لمماليكه إن أراد عقوبتهم إلا أن يخليه ، ويأذن له بالشفاعة لهم . وإنما قال ذلك تعالى ذكره لان المشركين قالوا : ما نعبد أوثاننا هذه إلا ليقربونا إلى الله زلفى ، فقال الله تعالى ذكره لهم : لي ما في السماوات وما في الأرض مع السماوات والأرض ملكا ، فلا ينبغي العبادة لغيري ، فلا تعبدوا الأوثان التي تزعمون أنها تقربكم مني زلفى ، فإنها لا تنفعكم عندي ولا تغني عنكم شيئا ، ولا يشفع عندي أحد لاحد إلا بتخليتي إياه والشفاعة لمن يشفع له ، من رسلي وأوليائي وأهل طاعتي . القول في تأويل قوله تعالى : * ( يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشئ من علمه إلا بما شاء ) * . يعني تعالى ذكره بذلك أنه المحيط بكل ما كان وبكل ما هو كائن علما ، لا يخفى عليه شئ منه .