محمد بن جرير الطبري

50

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

وحملوا الكلام على غير معناه المعروف وسوى وجهه المفهوم . وذلك أن الجاري من الكلام على ألسن العرب المفهوم في خطابهم بينهم إذا قال بعضهم لبعض : كما أحسنت إليك يا فلان فأحسن أن لا يشترطوا للآخر ، لان الكاف في كما شرط معناه : افعل كما فعلت ، ففي مجئ جواب : اذكروني بعده وهو قوله : أذكركم أوضح دليل على أن قوله : كما أرسلنا من صلة الفعل الذي قبله ، وأن قوله : اذكروني أذكركم خبر مبتدأ منقطع عن الأول ، وأنه من سبب قوله : كما أرسلنا فيكم بمعزل . وقد زعم بعض النحويين أن قوله : فاذكروني إذا جعل قوله : كما أرسلنا فيكم جوابا له مع قوله : أذكركم نظير الجزاء الذي يجاب بجوابين ، كقول القائل : إذا أتاك فلان فأته ترضه ، فيصير قوله فأته وترضه جوابين لقوله : إذا أتاك ، وكقوله : إن تأتني أحسن إليك أكرمك . وهذا القول وإن كان مذهبا من المذاهب ، فليس بالأسهل الأفصح في كلام العرب . والذي هو أولى بكتاب الله عز وجل أن يوجه إليه من اللغات الأفصح الأعرف من كلام العرب دون الأنكر الأجهل من منطقها هذا مع بعد وجهه من المفهوم في التأويل . ذكر من قال : إن قوله : كما أرسلنا جواب قوله : فاذكروني . 1914 - حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، قال : سمعت ابن أبي نجيح يقول في قول الله عز وجل : كما أرسلنا فيكم رسولا منكم كما فعلت فاذكروني . 1915 - حدثنا المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . قوله : كما أرسلنا فيكم رسولا منكم فإنه يعني بذلك العرب ، قال لهم جل ثناؤه : ألزموا أيها العرب طاعتي ، وتوجهوا إلى القبلة التي أمرتكم بالتوجه إليها ، لتنقطع حجة اليهود عنكم ، فلا تكون لهم عليكم حجة ، ولاتم نعمتي عليكم وتهتدوا ، كما ابتدأتكم بنعمتي فأرسلت فيكم رسولا إليكم منكم ، وذلك الرسول الذي أرسله إليهم منهم محمد ( ص ) . كما : 1916 - حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع في قوله : كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يعني محمدا ( ص ) .