محمد بن جرير الطبري
71
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
حلفت بالسبع اللواتي طولت * وبمئين بعدها قد أمئيت ( 1 ) وبمثان ثنيت فكررت * وبالطواسين قد ثلثت ( 2 ) وبالحواميم اللواتي سبعت * وبالمفصل اللواتي فصلت ( 3 ) قال أبو جعفر رحمة الله عليه : وهذه الأبيات تدل على صحة التأويل الذي تأولناه في هذه الأسماء . وأما " المفصل " : فإنها سميت مفصلا لكثرة الفصول التي بين سورها ب " بسم الله الرحمن الرحيم " . قال أبو جعفر : ثم تسمى كل سورة من القرآن سورة ، وتجمع سورا ، على تقدير خطبة وخطب ، وغرفة وغرف . والسورة بغير همز : المنزلة من منازل الارتفاع . ومن ذلك سور المدينة ، سمي بذلك الحائط الذي يحويها لارتفاعها على ما يحويه . غير أن السورة من سور المدينة لم يسمع في جميعها " سور " ، كما في جمع سورة من القرآن " سور " . قال العجاج في جمع السورة من البناء : فرب ذي سرادق محجور * سرت إليه في أعالي السور ( 4 ) فخرج بتقدير جميعها على تقدير جمع برة وبسرة ، لان جمع ذلك " بر " و " بسر " . وكذلك لم يسمع في جميع سورة من القرآن سور ، ولو جمعت كذلك لم يكن خطأ في القياس ، إدا أريد به جميع القرآن . وإنما تركوا فيما يرى جمعه كذلك لان كل جمع كان بلفظ الواحد المذكور ، مثل بر وشعير وقصب وما أشبه ذلك ، فإن جماعه كالواحد من الأشياء غيره ، ثم جعلت الواحدة منه كالقطعة من جميعه ، فقيل " برة " و " شعيرة " و " قصبة " ، يراد به قطعة منه . ولم تكن سور القرآن موجودة مجتمعة اجتماع البر والشعير وسور المدينة ، بل كل سورة موجودة منفردة بنفسها انفراد كل غرفة من الغرف ، وخطبة من الخطب ، فجعل جميعها جمع الغرف والخطب ، المبني جميعها من واحدها . ومن الدلالة على أن معنى السورة المنزلة من الارتفاع ، قول نابغة بني ذبيان :
--> ( 1 ) أمئيت : أكملت عدته حتى بلغت المئة . ( 2 ) يعني بالطواسين التي ثلثت : طلسم الشعراء ، وطس النمل ، وطسم القصص . ( 3 ) الحواميم التي سبعت : غافر ، وفصلت ، والشورى ، والزخرف ، والدخان ، والجاثية ، والأحقاف . ( 4 ) السرادق : ما يحيط بالشئ . ويشتمل عليه من مضرب أو خباء أو بناء . والمحجور : المحرم الممنوع وسرت ( بضم السين ) : من قولهم : سار الحائط : إذا علاه وتسلقه .