محمد بن جرير الطبري

72

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

ألم تر أن الله أعطاك سورة * ترى كل ملك دونها يتذبذب ( 1 ) يعنى بذلك : أن الله أعطاه منزلة من منازل الشرف التي قصرت عنها منازل الملوك . وقد همز بعضهم السورة من القرآن وتأويلها في لغة من همزها : القطعة التي قد أفضلت من القرآن عما سواها وأبقيت ، وذلك أن سؤر كل شئ البقية منه تبقى بعد الذي يؤخذ منه ، ولذلك سميت الفضلة من شراب الرجل يشربه ثم يفضلها فيبقيها في الاناء " سؤرا " . ومن ذلك قول أعشى بني ثعلبة يصف امرأة فارقته فأبقت في قلبه من وجدها بقية : فبانت وقد أسأرت في الفؤاد * صدعا على نأيها مستطيرا ( 2 ) وقال الأعشى في مثل ذلك : بانت وقد أسأرت في النفس حاجتها * بعد ائتلاف وخير الود ما نفعا ( 3 ) وأما الآية من القرآن فإنها تحتمل وجهين في كلام العرب : أحدهما : أن تكون سميت آية لأنها علامة يعرف بها تمام ما قبلها وابتداؤها ، كالآية التي تكون دلالة على الشئ يستدل بها عليه ، كقول الشاعر : ألكني إليها عمرك الله يا فتى * بآية ما جاءت إلينا تهاديا ( 4 ) يعني بعلامة ذلك . ومنه قوله جل ذكره : ( ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا وآية منك ) ( 5 ) أي علامة منك لإجابتك دعاءنا وإعطائك إيانا سؤلنا . والآخر منهما : القصة ، كما قال كعب بن زهير بن أبي سلمى : ألا بلغا هذا المعرض آية * أيقظان قال القول إذ قال أم حلم يعني بقوله آية : رسالة مني وخبرا عني . فيكون معنى الآيات : القصص ، قصة تتلو قصة بفصول ووصول .

--> ( 1 ) يتذبذب : يضطرب ويحتار . ( 2 ) استطار الشق أو الصدع في الحائط أو الزجاجة : ظهر وامتد . ( 3 ) الائتلاف : الألفة والاجتماع . ( 4 ) البيت سيأتي في هذا الجزء ، ونسبه هناك لعبد بني الحسحاس . وقوله : " ألكني إليها " أي أبلغها رسالة مني ، من الألوك والمألكة : وهي الرسالة . التهادي : المشي بتمايل . ( 5 ) سورة المائدة ، الآية : 114 .