محمد بن جرير الطبري

446

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

حدثنا بشر بن معاذ قال : حدثنا يزيد بن زريع ، عن سعيد ، عن قتادة قال : أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير يقول : أتستبدلون الذي هو شر بالذي هو خير منه ؟ . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج عن ابن جريج ، عن مجاهد قوله : الذي هو أدنى قال : أردأ . القول في تأويل قوله تعالى : اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم . وتأويل ذلك : فدعا موسى فاستجبنا له ، فقلنا لهم : اهبطوا مصر . وهو من المحذوف الذي اجتزئ بدلالة ظاهره على ذكر ما حذف وترك منه . وقد دللنا فيما مضى على أن معنى الهبوط إلى المكان إنما هو النزول إليه والحلول به . فتأويل الآية إذا : وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها قال لهم موسى : أتستبدلون الذي هو أخس وأردأ من العيش بالذي هو خير منه ؟ فدعا لهم موسى ربه أن يعطيهم ما سألوه ، فاستجاب الله له دعاءه ، فأعطاهم ما طلبوا ، وقال الله لهم : اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم . ثم اختلف القراء في قراءة قوله : مصرا فقرأه عامة القراء : مصرا بتنوين المصر وإجرائه وقرأه بعضهم بترك التنوين وحذف الألف منه . فأما الذين نونوه وأجروه ، فإنهم عنوا به مصرا من الأمصار لا مصرا بعينه ، فتأويله على قراءتهم : اهبطوا مصرا من الأمصار ، لأنكم في البدو ، والذي طلبتم لا يكون في البوادي والفيافي ، وإنما يكون في القرى والأمصار ، فإن لكم إذا هبطتموه ما سألتم من العيش . وقد يجوز أن يكون بعض من قرأ ذلك بالاجراء والتنوين ، كان تأويل الكلام عنده : اهبطوا مصرا البلدة التي تعرف بهذا الاسم وهي مصر التي خرجوا عنها ، غير أنه أجراها ونونها اتباعا منه خط المصحف ، لان في المصحف ألفا ثابتة في مصر ، فيكون سبيل قراءته ذلك بالاجراء والتنوين سبيل من قرأ : قواريرا قواريرا من فضة منونة اتباعا منه خط المصحف . وأما الذي لم ينون مصر فإنه لا شك أنه عنى مصر التي تعرف بهذا الاسم بعينها دون سائر البلدان غيرها . وقد اختلف أهل التأويل في ذلك نظير اختلاف القراء في قراءته .