الشيخ الجواهري
49
جواهر الكلام
نعم لو كان المنكر بعيدا عن بلاد الاسلام بحيث يمكن في حقه خفاء الضرورة لم يحكم بكفره بمجرد ذلك ، ولعله ينزل عليه التقييد السابق في كشف اللثام ، فلا ينافي ما ذكرنا ، كما أنه يحتمل تنزيل ما تقدم من مجمع البرهان على إرادة لزوم إنكار الضروري لانكار الشريعة في نفسه وحد ذاته وإن لم يكن عند المنكر ، فلا ينافيه أيضا وإن كان احتمال ذلك في كلامه بعيدا بل ممتنعا ، وأما لو أصر بعد الظهور والاطلاع وإن كان لشبهة ألجأته إليه حكم بكفره ، لعدم معذوريته ، وظهور تقصيره في دفع تلك الشبهة ، كمن أنكر النبي ( صلى الله عليه وآله ) مثلا لشبهة . فالحاصل أنه متى كان الحكم المنكر في حد ذاته ضروريا من ضروريات الدين ثبت الكفر بانكاره ممن اطلع على ضروريته عند أهل الدين ، سواء كان ذلك الانكار لسانا خاصة عنادا أو لسانا وجنانا . ومنه يظهر الفرق حينئذ بين الضروري وغيره من القطعي كالمجمع عليه ونحوه ، فإنه لا يثبت الكفر بالثاني إلا مع حصول العلم ثم الانكار ، بخلافه في الضروري فيثبت وإن لم يكن إنكاره كذلك . وقد يؤيد ذلك كله ما حكاه شيخنا في مفتاح الكرامة ، قال : وهنا كلام في أن جحود الضروري كفر في نفسه أو لأنه يكشف عن إنكاره النبوة مثلا ، ظاهرهم الأول ، واحتمل الأستاذ الثاني ، قال : " فعليه لو احتمل وقوع الشبهة عليه لم يحكم بكفره ، إلا أن الخروج عن مذاق الأصحاب مما لا ينبغي " انتهى . قلت وهذا من أستاذه اعتراف بما ذكرناه من مراد الأصحاب ، حتى أنه ذكر ما ينافيه بصورة الاحتمال ، ثم كر عنه ، ويؤيده قرائن كثيرة تشهد على إرادتهم ذلك لا يسع المقام تعدادها ، خصوصا مع ملاحظة باب الحدود ، ففي القواعد هناك أنه يحصل الارتداد إما بالفعل ، وإما بالقول كاللفظ الدال بصريحه على جحد ما علم