ابن تيمية

175

المسائل الماردينية

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

--> الله - حينما قال : " فبعد ثبوت المسح على الجوربين عن الصحابة - رضي الله عنهم - : أفلا يجوز لنا أن نقول فيمن ركب عنه ما قاله إبراهيم هذا - أي : النخعي - في مسحهم على الخفين : " فمن ترك ذلك رغبة عنه ، فإنما هو من الشيطان " ، رواه ابن أبي شيبة ( 1 / 180 ) بإسناد صحيح عنه " . أه - . قلت : وفي كلام وجيز متين للمصنف - رحمه الله - في " القواعد النورانية " ( 1 / 93 ، 94 ) بيَّن أنه لا يسع عالم الحديث بعد أن يطلع على الآثار الواردة في شأن المسح على الجوربين إلا أن يقول بها ، فقال - رحمه الله - : " فقد صنف الإمام أحمد كتاب " المسح على الخفين " ، وذكر فيه من النصوص عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه في المسح على الخفين والجوربين والعمامة ، بل على خُمر النساء ، كما كانت أم سلمة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - وغيرها تفعله ، وعلى القلانس ، كما كان أبو موسى وأنس يفعلانه ، ما إذا تأمله العالم عُلِم فضل علم أهل الحديث على غيرهم ، مع أن القياس يقتضي ذلك اقتضاءً ظاهرا ، وإنما توقف عنه من توقف من الفقهاء ؛ لأنهم قالوا بما بلغهم من الأثر ، وجبنوا عن القياس ورعًا ، ولم يختلف قول أحمد فيما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كأحاديث المسح على العمائم والجوربين والتوقيت في المسح ، وإنما اختلف قوله فيما جاء عن الصحابة ، كخُمُر النساء وكالقلانس الدنيات " . أه - . قلت : وقد استفضت في هذه النقطة ؛ لأنه قد ظهر في هذا الزمان بعض المنتسبين إلى علم الحديث ممن أشاع دعوة عدم مشروعية المسح على الجوربين تحت دعوى ضعف الأحاديث المرفوعة ، ونحن لا نخالفه في وجود نزاع في ثبوت الأحاديث المرفوعة ، لكن ننازعه في تضعيفه كل الآثار الواردة عن الصحابة ، مخالفًا بذلك كل علماء الحديث على مر الأزمان السابقة - وعلى رأسهم الإمام أحمد إمام السنة - ممن اطلعوا على هذه الآثار ، ولم يغمزوها بضعفٍ أو نكارة ، بل الأدهى والأمر أنه زاد بدعًا من القول ألا وهو قوله : إنه حتى ولو صحت هذه الآثار عن الصحابة ، فإنه لا يلزمني فهم الصحابة ، فالحجة في الكتاب والسنة فقط - هكذا قال - فكأنه قال بلسان حاله : أنا أحسن فهمًا وأكثر ورعًا من هؤلاء الصحابة ، وإن كنا نربأ به أن يقصد هذا القول الأخير ، فلا ريب أن هؤلاء المخالفين قد خالفوا الأثر الصريح ، والقياس الصحيح ، وخرجوا عن سبيل أصحاب الحديث في هذه المسألة .