عبد الملك الجويني
9
نهاية المطلب في دراية المذهب
متفقون على الإزراء بهؤلاء ، وقد يجرون - في التعريض بالمساب والكلم المؤذية - النسبة إلى الحياكة ، فإذا اطرد هذا في الناس ، فاختيارها مع ظهور الذم بها يشعر بالخسّة التي يُشعر بها جملةُ الحرف الدنية ، فهذا مما يجب التنبه له . ومما نذكره أن الرجل المعدودَ من المعتبرين والأماثل إذا كان تبذّل في نقل الماء والأطعمة إلى منزله ، فإن كان ذلك عن ضِنّةٍ وشُح ، فهو خسة خارمة للمروءة ، وإن كان ذلك عن استكانة وتذلل ، وإظهارِ خضوعٍ وتأسٍّ بالأولين ، وتشوفٍ إلى شيم الأتقياء البُرآء من التكلف ، فهذا لا يخرم المروءة ، ولا يخفى مُدرك الفصل بين الحالتين . ويستبان ذلك في الرجلين ، فليقع النظر في أمثال هذا ثم الحكم بحسبه . وألحق الأئمة بما ذكرناه اشتغالَ المرء عن مهماته بما هو مباح في قبيله ، حتى يعدّ معطلاً لما يُهم ، مشتغلاً بما لا يعنيه ، فصاحب هذه الحالة ملتحق بتارك المروءة ، وإن لم يكنه ؛ لأنه في معناه ؛ من حيث ينتسب إلى ترك المبالاة والانسلال عن العادات ، وهو يتهدف لتغليب الظن بالجرأة على الزور والكذب ، أو للخبل في العقل ، كما قدمناه . ومن هذا وقع لأبي حنيفة ( 1 ) أن شهادة الفاسق بالغصب . والظلم إذا كان كبير النفس ، آنفاً من الكذب - مقبولة ؛ فإن فسقه لا يغلّب على القلب جرأته على الكذب ، مع ما ظهر فيه من الأنفة ، والاستنكاف عن كذبةٍ ، وإن قَبِل دونها . والشافعي لم يثق بفاسق ، وجعل عصامَ الأمر الدينَ ، وقد [ يعرض ] ( 2 ) للظلمة في حميّات النفوس والعصبية إذا لم يَزَعْهُم دينٌ - الكذبُ . 12124 - ومما نلحقه بهذه الأصول ردَّ شهادة المغفل ، فالعدل الرضا إذا غلبت غفلاته ، واعترته في حالاته الفترات ، فالشافعي يرد شهادته مجملةً ، ويقبلها مفصلة إذا وصف المكان والزمان ، وتأنق في ذكر الأوصاف . وهذا خارج على القاعدة ؛ لأنه إذا أجمل الشهادة ، فقد يظن به غفلة ، وإذا فضلها - وهو عدل لا يظن به اعتماد
--> ( 1 ) ر . المبسوط : 16 / 131 . ( 2 ) في الأصل : يفرض .