عبد الملك الجويني
43
نهاية المطلب في دراية المذهب
تحمل الشهادة كالموت ، والعمى بهذه المثابة . فالذي حصّلته من كلام شيخي وكلام الصيدلاني ثلاثة أوجه : أحدها - أن الفرع لا يشهد إذا طرأ الجنون أو العمى فإنهما مانعان يتوقع زوالهما ، بخلاف الموت . والثاني - وهو المذهب - أن الفرع يشهد ، كما لو مات الأصل ، وإنما المحذور من الطوارىء اقتضاؤها رَيْباً منعطِفاً على حالة التحمل ، وأما توقع الزوال في الطوارىء فلا خير فيه ؛ فإن الفرع يشهد لغيبة الأصل ومرضه وإن كانا يزولان . والوجه الثالث - أن الفرع لا يشهد إذا جُنّ الأصل ؛ لأن شهادته سقطت بالكلية ، وليس سقوطها بالجنون كانتهائها بالموت ، فكأن الفرع يخلف الميت ، كما يخلف الوارث الموروث ، وفَرْقٌ في قاعدة الفقه بين الانتهاء وبين الانقطاع . فأما إذا عمي الأصل ، فيشهد الفرع ؛ فإن العمى لم يخرجه عن كونه من أهل الشهادة على الجملة وإن لم يكن من أهل إقامة هذه الشهادة . وقد ذكر الصيدلاني هذا المعنى ، ودلّ ذكره له على الفرق بين العمى والجنون . وتعلقه بهذا المعنى عُمْدَتي في إجراء هذه الوجوه . والأصح الذي يجب القطع به ، ولا يحتمل قانون المذهب غيرَه ، أن طريان العمى والجنون لا يقطعان شهادة الفرع كطريان الموت ، وما عدا ذلك يُخبّط المذهب ويشوّش الأصل . فأما إذا أغمي على الأصل - وهو حاضر ، فالفرع لا يشهد ؛ فإن الإغماء إلى الزوال ، فينتظر زواله . وإن كان غائباً ، فأُخْبرنا بأنه أغمي عليه ، فلا أثر له بحال ، وهو بمثابة مرض يعرض ويزول . التفريع : 12161 - إن حكمنا بأن شهادة الفرع تنقطع بطريان الجنون والعمى ، فلو أبصر الأصلُ بعد العمى ، وأفاق عن الجنون ، فالمذهب على هذا الوجه أنه لا بد من إعادة تحمل الشهادة ، وكأن التحملَ الأولَ لم يكن ؛ فإنا قضينا بالانقطاع ، فصار هذا كما لو جُنَّ الموكِّل ، وجرى الحكم بانعزال الوكيل ، فإذا أفاق ، لم تعد الوكالة .