عبد الملك الجويني
44
نهاية المطلب في دراية المذهب
ومن أصحابنا من قال : لا تنقطع شهادة الفرع بل يمتنع ، فإذا زال الجنون والعمى ، فشهادة الفرع مستمرة ، وهذا ليس بشيء . والوجه الذي قبله - وإن كان قياساً ، فلست أعتد به لضعف أصله . ولو فسق الأصل ، وثبت أن الفرع لا يؤدي الشهادة قطعاً ، فلو عاد الأصل إلى العدالة ، واستبرأنا حاله ، فهو على الشهادة الأصلية ، والفرع لا يشهد تعويلاً على التحمل الأول ؛ لأن الرَّيْبَ قد انعطف عليه ؛ وذلك الريب لا يزول بزوال فسق الأصل ؛ فإن العدالة إن كانت تقطع الفسق الطارىء ، فلا تقطع الرَّيب المتقدم على الفسق ؛ فالوجه أن يجدد تحملاً . وهذا هو الذي لا يجوز غيره . وأبعد بعض الأصحاب ، فاكتفى بالتحمل الأول . ولا يعتد بمثل هذا ؛ فإنه غفلة عن الأصل المعتبر ، وغباوةٌ عن الدَّرْك . 12162 - ومما يتعلق بما نحن فيه أن الفرع لو أقام الشهادة في مجلس القضاء ، ونفذ القضاء بشهادته ، ثم طرأت التغايير على الأصل ، فلا نظر إلى ما يطرأ بعد نفوذ القضاء . ولو أقام الفرع الشهادة ، ففسق الأصل قبل نفوذ القضاء بشهادة الفرع ، فلا يقضي القاضي بشهادة الفرع ، كما لو فسق الشاهد نفسُه قبل القضاء بشهادته ، وتعليل ذلك بيّن ، لا إشكال فيه . ولو شهد الفرع ، فكذّبه الأصل قبل القضاء ، لم يقْضِ القاضي بشهادة الفرع ، وإن كان عدلاً رِضاً . ولو حضر الأصلُ قبل القضاء بشهادة الفرع ، فلا خلاف أن القاضي لا يقضي بشهادة الفرع ، ولكن يستحضر الأصلَ ليشهد ، ولا يكتفي بأن يصدِّق الأصلُ الفرعَ ، بل لا بد من إنشاء الشهادة من الأصل . ولو حضر شاهد الأصل بعد نفوذ القضاء بشهادة الفرع ، فلا أثر لحضوره ، ولو حضر بعد القضاء ، وكذب الشاهدَ على شهادته ، فلا يُلتفت إلى تكذيبه بعد إبرام القضاء .