عبد الملك الجويني
42
نهاية المطلب في دراية المذهب
التحاقها بهما يقرب مما ذكرناه ؛ فإن الردة إذا هي ظهرت ، دلت على خُبثٍ في العقد متقدم . وفي هذا المقام سؤال : وهو أن المقذوف إذا زنى بعد ما كان ظاهرُه الإحصانَ والعفةَ عن الزنا ، فالنص أن الحد يسقط عن القاذف ، إذا لم يتفق إقامته حتى جرى ما جرى ، ولو ارتد المقذوف قبل إقامة الحد على القاذف ، فالحد مقام عليه ، وقد ذكرنا ترتيب المذهب واختلافَ الأصحاب في موضعه . ومقتضى النص الفرق بين طريان ما يناقض العفة وبين طريان الردة ، وقد سوّينا بين الفسق وطريان الردة على شاهد الأصل ، فما الوجه ؟ قلنا : لا ننكر أن طلب الفرق بين الردة وطريان الزنا [ في المقذوف ] ( 1 ) عسر . ولكن الأصل ثَمَّ أنا لا نعتبر في تبرئة المقذوف طلبَ باطنه ، ولا نقول : يتوقف إقامة الحد على القاذف على تزكية المزكّين للمقذوف عن الزنا ، ووصفهِ بالعفةِ عنها ، وأمورُ الشهادات على طلب البواطن ، والتوقفُ فيها بالريب ؛ فالأصل ممتاز عن الأصل ، وطريان الردة في إيراث رَيْب منعطفٍ كطريان الفسق ، وإذا استويا في هذا ، فما ذكرناه [ مستدٌّ ] ( 2 ) على قاعدة الشهادة ، فإن كان من إشكال ، ففي مسألة القذف ، ولسنا ننكر أنها تزداد إشكالاً ، وما نحن فيه الآن من حكم الشهادة [ مستدٌّ ] ( 3 ) لا غموض فيه ، والقياس ثَم أن طريان الزنا لا يؤثر ، كما صار إليه المزني وطوائفُ من أصحابنا ، لما حققناه من امتياز الأصل عن الأصل . 12160 - ولو جُنّ شاهد الأصل ، فقد خرج بجنونه عن الشهادة ، فهل يشهد الفرع تعويلاً على التحمل السابق ؟ وكذلك لو عمي ، وعسُر منه إقامة الشهادة ، لافتقارها إلى الإشارة إلى المشهود عليه ، فالذي يجب التنبه قبل الخوض في التفصيل ، أن الجنون لا ينعطف على ما تقدم ، وطريانه لا يورث ريباً في العقل مستنداً إلى حالة
--> ( 1 ) في الأصل : " والمقذوف " . ( 2 ) في النسختين : " مستمر " . ( 3 ) في الأصل ، وفي ( ت 5 ) : " مستمر " . والمثبت من تصرف المحقق ، والمعنى : مستقيم لا غموض فيه .