عبد الملك الجويني

39

نهاية المطلب في دراية المذهب

مقصودة مجردة مرقّاة عن احتمال الكلام الذي قد يجريه الإنسان من غير تثبت . حتى قال الأصحاب : لو جرى تحكيم ، وكان شاهد الأصل شهد في مجلس الحكم ، فسمع شهادتَه من حضر ، فله أن يشهد على شهادته ، وللمحكَّم نفسِه أن يشهد على شهادته . فخرج من مجموع ما ذكرناه أن المطلوب تجريدُ الشهادة ، وإيرادُها خارجةً عن توهّم التوسّع والتجوز ، ثم هي متحمَّلة كسائر الأقوال والأفعال ( 1 ) التي يتحملها الشهود إذا رأوا أو سمعوا . 12155 - ولو قال شاهد الأصل " أشهد أن لفلان على فلان ألفَ درهم من ثمن شراء أو أجرة إجارة أو جهةٍ أخرى من جهات اللزوم " ، فهل للسامع أن يشهد على شهادته ؟ من غير استرعاءٍ من جهته ، ولا إقامةٍ منه لشهادته في مجلس قاضٍ أو محكّم . اختلف أصحابنا في المسألة : فذهب الأكثرون إلى أنه لا يجوز تحمل الشهادة على شهادته لمجرد ما وصفناه ، ومنهم من قال : يجوز تحمل الشهادة . توجيه الوجهين : من جوّز التحمل ، احتج بأن شاهد الأصل لما نص على جهة اللزوم ، فقد صرح ، وأخرج كلامَه عن احتمال العِدَة . فينبغي أن يجوز التحملُ . ومن منع - وهو الأظهر - قال : إن زال احتمال الوفاء بالعِدَة بقي إمكان التجوز والتوسع ، فإن الإنسان إنما يتثبت في مجلس القضاء أو في مجلس الاسترعاء . ومما ذكره الأصحاب أنه لو قال : أشهد أن لفلان على فلان كذا ، وهذه شهادة أبتّها ولا أتمارى فيها ، فهل يجوز التحمل بهذا المقدار ؟ فيه وجهان قريبان مما قدمنا الآن ، لأنه وإن قال : هذه شهادة مبتوتة عندي ، فقد يتثبت في إقامتها عند مسيس الحاجة إليها . 12156 - ولم يختلف أصحابنا في أنه لا بد وأن يذكر لفظ الشهادة ، حتى لو قال : أستيقن أن لفلان على فلان كذا ، فاشهدوا على قولي ، لم تجز الشهادة على شهادته ، وهذا ، كما أنا نشترط لفظ الشهادة في مفصل القضاء ولا نقيم غيرَه من الألفاظ

--> ( 1 ) هذا هو الوجه الثاني من الورقة المقلوبة وهو يحتل رقم 171 ش .