عبد الملك الجويني
34
نهاية المطلب في دراية المذهب
النصف ، فالشهادة في النصف الثاني مقبولة على الابن المنكر ، وإن فرّعنا على القول الثاني - وهو أن الإقرار يُلزم المقر التمامَ ، فعلى هذا القول شهادته مردودة على أخيه المنكر ، ولا فرق إذاً عندنا بين أن يبتدئ فيشهد وبين أن يقدم الإقرار ثم يشهد ، فقبولُ الشهادة على المنكر وردُّها خارج على القولين . فإن قال قائل : إذا قذف رجلاً ، ثم شهد عليه ثلاثةٌ ، فشهادته بعد القذف مردودة ( 1 ) ، ولو شهد ابتداء مع ثلاثةٍ على زناه ، فشهادته على الزنا مقبولة ، فهلا جعلتم الشهادة ردّاً منه عن نفسه فيما كان يلزمه لو قذف ولم يشهد ، وما الفرق بين تقدم القذف وبين تقدم الإقرار ؟ قلنا : هذا لا حاصل له ، فإنه إذا قدم القذفَ ، فقد التزم الحدَّ بالقذف ، فإذا رام دفع العقوبة عن نفسه ، كان دافعاً بشهادته على التحقيق ، فرُدَّت ، وإذا شهد ابتداء ، فليس هو بشهادته دافعاً عن نفسه أمراً لا محيص له عنه ؛ فإنه كان لا يجب عليه أن يشهد ، والإخبارُ عن الدَّين لا بد منه في التركة ، وهو بشهادته يؤدي واجباً عليه ، فافترق الأمران افتراقاً ظاهراً . وقد ذكر صاحب التقريب في الإقرار بالوصية المرسلة طريقين : إحداهما - إجراء القولين على التفصيل المقدم ، وقد ذكرناه . والثاني - القطعُ بأنه لا يلزم المقِرَّ إلا مقدارُ حصته قولاً وحداً . وأبو حنيفة ( 2 ) سلّم الوصية ، وإن صار إلى أن المقِر بالدين يلتزم جميعَه في حصته . فما ذكره صاحب التقريب يوافق مذهب أبي حنيفة . وهذا ليس بشيء ، ولا فرق بين الوصية والدين إلا أن الوصية وضعُها الحَسْبُ من الثلث ، كما فصّلنا . والدين الثابت وضعُه إخراجُه من رأس المال ، وأما الفرق ، فلا اتجاه له . . . .
--> ( 1 ) أي شهادته مع الثلاثة ، ليكمل عِدّة شهود الزنا ، فيبرأ من حد القذف . ( 2 ) ر . المبسوط : 19 / 39 ، 40 .