عبد الملك الجويني
29
نهاية المطلب في دراية المذهب
12144 - وإن شهد الرجل ، فردت شهادته لفسقه ، ثم ظهرت عدالته وحسنت حالته وكان مقبول الشهادة في القضايا ، فلو أعاد تلك الشهادة التي رُدّت بسبب الفسق ، نُظر : فإن كان مستسرّاً بالفسق أولاً متعيّراً به لو نسب إليه ، وقُذف به ، فلا تقبل الشهادة المعادة باتفاق الأصحاب ( 1 ) ، ووافق فيه أبو حنيفة ( 2 ) ، ومتبعوه . ولو كان معلناً بالفسق لمّا شَهد ، غير متعَيّرٍ بأن ينسب إليه ، فردت شهادته ، ثم ظهرت عدالته ، فأعاد بعد العدالة تلك الشهادة ، ففي قبولها وجهان : أحدهما - أنها مردودة ، كما لو كان متعيراً بالفسق أول مرة . والثاني - أنها تقبل ، كالشهادة المعادة بعد العتق ، وتغير العتق من التغايير التي وصفناها . وأصحاب أبي حنيفة يزعمون أن سبب رد الشهادة المعادة أنها ردت ، وجرى القضاء بردها أولاً ، وشهادة الفاسق شهادة ، بخلاف شهادة الصبي والمملوك والكافر ؛ فإنها ألفاظ على صيغ الشهادة ، وليست شهادة ، ومعنى ردها إبانة أن ما جاؤوا به ليست شهادة ، وليس كذلك الفاسق ؛ فإنه شاهد ، فإذا اتصل القضاء برد شهادته في قضية ، لم تُعَد ؛ إذ لو أعيدت ، وقبلت ، لكان قبولها نقضاً للقضاء السابق بالرد . وقد ذكرنا كلامهم هذا في مسائل الخلاف ونقضناه . والذي يدور في الخَلَد من هذه المسألة ؛ أن رد الشهادة المعادة بعد ظهور العدالة ليس ينتظم فيه معنى صحيح عندي ؛ فإني أوضحت أن رد الشهادة بالتهمة من العدل لا معنى له في مسلك القياس ، فقد استثنى الخبر رد شهادة الخصم ، وألحق الشافعي
--> ( 1 ) اتفق الأصحاب على ردّ شهادة الفاسق في هذه الحالة ، حالة ما إذا كان مستسرّاً بالفسق ، يخشى أن يعيّر به ، فإذا ردّت شهادته ، كان الردّ كاشفاً لفسقه ، مظهراً لما يتعير به ، فإذا تاب ، وصلحت حاله ، وصار مقبول الشهادة ، فلو أراد إعادة الشهادة المردودة ، لم تقبل ، لأنه بمحل التهمة ، تهمة من يريد أن يدفع عن نفسه عار الكذب ، وينفي عنها التعيّر بالفسق السابق الذي ردّت به شهادته . وقد بسط النووي ذلك في الروضة ، حين جعل من شروط قبول الشهادة " الانفكاك عن التهمة " ثم قال : " وللتهمة أصباب . . . السبب السادس - أن يدفع عن نفسه عار الكذب " ثم ضرب الفاسق الذي ردّت شهادته مثلاً لذلك . ( ر . الروضة : 11 / 234 - 241 ) . ( 2 ) ر . مختصر الطحاوي : 333 ، المبسوط : 16 / 128 .