عبد الملك الجويني

23

نهاية المطلب في دراية المذهب

ضاربها ، والمستمع إلى صوتها . وقد نص الشافعي أن من أوصى بطبل اللهو ، فالوصية باطلة ، ولا يعرف طبل لهو يلتحق بالمعازف - حتى تبطل الوصية بها - إلا ( الكوبة ) ، ولست أرى الطبول الصغار التي تُهيأ لملاعب الصبيان محرَّمة ؛ فإنها إن لم تلتحق بالطبول الكبار ، فهي في معنى الدّف . ولم يتعرض القاضي ( للكوبة ) ، ولو رددنا إلى مسلك المعنى ، فهي في معنى الدف ، ولست أرى فيها ما يقتضي تحريماً ، إلا أن المُفْلِكِين ( 1 ) يعتادون ضربها ، ويتولعون بها . والذي يقتضيه الرأي أن ما يصدر منه ألحان مستلذة تَهِيجُ الإنسان ، وتستحثه على الشرب ، ومجالسة إخوانه ، فهو المحرّم ، والمعازف والمزامير كذلك ، وما ليس له صوت مستلذ ، وإنما تنتحب ( 2 ) في [ إيقاعات ] ( 3 ) قد تطرب ، فإن كانت لا تُلذ ، فجميعها في معنى الدف ، والكوبةُ في هذا المسلك كالدف ، فإن صح فيها تحريم ، حرّمناها ، وإلا توقفنا فيها . والضرب بالصَّفَّاقَتَيْن ( 4 ) كان يحرمه ، وهو مما يعتاده المخنثون ، وفيه نظر عندي بيّنٌ ؛ فإنه لم يرد فيه خبر ، إن فرض ورود أخبار في الكوبة . واليراعُ الذي حكينا فيه الخلاف ليس هو المزمار الذي يسمى العراقي ، ويضرب مع الأوتار ، بل لا نشك في تحريمه . وقد روى الرواة : " أن ابن الزبير كانت له جوارٍ عَوَّادات ، فدخل عليه ابن عمر وبالقرب منه عود ، فقال له ابن الزبير : يا صاحب رسول الله ما هذا ؟ فأخذه وتأمله ، فقال : ميزانٌ شامي وأنا ابن عمر ( 5 ) " ( 6 ) .

--> ( 1 ) المفلكين : بمعنى المدمنين المسرفين ، يقال : أفلك الرجل في الأمر إذا لجّ فيه . ( المعجم ) . ( 2 ) كذا . ( 3 ) في الأصل : " يقاعات " . ( 4 ) كذا . والمراد التصفيق باليدين ؛ فلم نجد في كتاب أسماء الملاهي آلة تسمى ( الصفاقتين ) . ( 5 ) أثر ابن الزبير مع ابن عمر ( رضي الله عنهم ) لم نقف عليه . ( 6 ) المعنى أن ابن الزبير يُشهد ابنَ عمر أن هذا العود ليس هو المزمار العراقي الذي لا يُشك في تحريمه ، كما قال الإمام .