عبد الملك الجويني
24
نهاية المطلب في دراية المذهب
وكان شيخي يقول : الاستماع إلى الأوتار في رتبة الصغائر ، [ والإدمان ] ( 1 ) فيه مفسّق ، وما يندر منه لا يفسق . وقطع العراقيون ومعظم الأصحاب بأنه من الكبائر ، وهذا يوضحه ما قدّمناه من اعتبار العادات ؛ فإن كان ما نحن فيه مستقبحاً معدوداً من الفواحش في بعض البلدان ، فالهجوم عليه خرمٌ بيّن ، واستجراءٌ على ترك المروءة . وإن كان لا يعدّ من الفواحش في بعض البلاد ؛ فإذ ذاك يقع النظر في أنه من الصغائر أم من الكبائر ؟ فهذا قولنا في الألحان والأوتار . 12137 - وأما الغناء قولاً وسماعاً ، فأجمعُ كلامٍ فيه وأحواه للمقصود قول الشافعي ، إذ قال : الشعر كلامٌ ، حسنه حسن ، وقبيحه قبيح ، والأمر على ما ذَكر ، فلا فرق بين أن يكون الكلام منظوماً أو منثوراً ، فكل ما يحرم منثوره يحرم منظومه . ثم في الشعر وغرضِنا منه ما يُحوِجُ إلى مزيد فكر . ومسلكُ الأصحاب مضطرب فيه : فأما الأشعار التي ليس فيها من المنكر والخنا وفُحش المنطق ، والخروجِ إلى حد الكذب ، وإنما هي في وصف دِمنٍ وأطلال ، وما في معانيها ، فهي دواوين العرب ، والمُكِبُّ على تحصيلها متوسل إلى حفظ اللغة ، وبيان مناظم الكلام ، وهو من أشرف العلوم ، وكيف لا ، وهي الذريعة إلى دَرْك الكتاب والسنة . ولو فرض ترنمُ مترنِّم بها في إنشادٍ ، أو في صنع الحداء ، فلا بأس ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصغي إليها ، ويطلب إنشادَها ، وربما كان يستزيد ويستعيد ، حتى رُوي أنه قال لشَرِيد : " أمعك من شعر أمية " ( 2 ) ؛ فقال : نعم ، فقال : هيهِ ، فأنشدته بيتاً ، فلم يزل يستزيد حتى بلغت مائة . وقال لابن رواحة :
--> ( 1 ) في الأصل : " فالإدمان " . ( 2 ) المراد أمية ابن أبي الصلت الشاعر الجاهلي ، والشَّريد هو الشريد بن سويد الثقفي والقصة في الإصابة ساقها ابن حجر عند ترجمة الشريد ، وذكر أنها من رواية مسلم وغيره ( ر . مسلم : الشعر ، باب في إنشاد الأشعار وبيان أشعر الكلم وذم الشعر ، ح 2255 ، ابن ماجة : الأدب ، باب الشعر ، ح 3758 ، أحمد : 4 / 388 ، 389 ، 390 ، البيهقي : 10 / 226 ، المعجم الكبير للطبراني : 7 / 315 ح 7237 ، الأدب المفرد للبخاري : ح 799 ) .