عبد الملك الجويني
9
نهاية المطلب في دراية المذهب
وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " سنوا بهم سنة أهل الكتاب " ( 1 ) . هذه قاعدة المذهب في الكفار ، وتفصيل الحكم في أقسامهم . ثم لا أثر عندنا في قبول الجزية وردها للعرب والعجم ، وإنما التعويل في قبول الجزية على من قَبِل الكتابين ، التوراةَ والإنجيلَ ، أو للتمسك بشبهة كتاب المجوس ، ثم لا فرق بين أن يكون الكتابي أو المجوسي عربياً أو أعجمياً . فهذا تأسيس المذهب فيمن يكون من أهل الجزية ، وفيمن لا يكون أهلاً لها . 11435 - ولو جاءنا قوم من الكفار ، وزعموا أنهم متمسكون بالكتب المنزلة على الأنبياء ، وتعلّقوا فيما زعموا بتلك الكتب كالزبور المنزل على داود ، والصحف المنزلة على إبراهيم ، فهل نأخذ منهم الجزية ؟ ذكر العراقيون وجهين : أحدهما - أنا لا نأخذ الجزية إلا من الأصناف الثلاثة : اليهود والنصارى والمجوس ؛ لأنا لا نثق بأقوال الآخرين ، ولا ندري صدقَهم من كذبهم ، ولم نر الأولين ينوطون أحكام أهل الكتاب إلا بأهل التوراة والإنجيل . هذا أحد الوجهين . والوجه الثاني - أن الجزية تؤخذ منهم ؛ فإنهم بزعمهم أهل الكتاب وقد أُمرنا باعتماد أقوال الكفار إذا اعتَزَوْا إلى كتب الله تعالى . ولو انتهينا إلى بلدة ، ورأينا فيها جمعاً من الكفار ، وزعموا أنهم يهود والتزموا الجزية ، لزمنا قبولَها منهم ، ولا نطالبهم بإقامة البينة على دينهم ، فإنا لو كلفناهم ذلك وشهادتهم مردودة ، والعلم بما ذكروه لا يأتي إلا من جهتهم ، لجرّ ذلك عسراً في قبول الجزية ، وإن كان هذا متفقاً عليه في الذين ينتحلون التهوّد والتنصر ، [ فكذلك ] ( 2 ) إذا انتمى قومٌ إلى كتاب منزل على بعض الأنبياء ، وجب إلحاقهم بأهل الكتاب في قبول الجزية منهم ؛ تعويلاً على قولهم .
--> ( 1 ) حديث " سنوا بهم سنة أهل الكتاب " رواه مالك ( الموطأ : 1 / 278 ح 42 ) ، والشافعي ( الأم : 4 / 174 ) ، وابن أبي شيبة ( 12697 ) ، وعبد الرزاق ( 10025 ) ، والبيهقي في الكبرى ( 9 / 189 ) ، والمعرفة ( 7 / 114 ) ، والحديث ضعفه الألباني في الإرواء ( 5 / 88 ح 1248 ) . ( 2 ) في الأصل : " وكذلك " .