عبد الملك الجويني

10

نهاية المطلب في دراية المذهب

والذي يوضح ذلك أن الجزية مقبولة من المجوس ، وإن تحققنا أنه ليس بين أظهرهم كتاب ، وإنما تعلقهم بشبهة الكتاب ، كما قدمنا ذكره ، ثم الجزية مقبولة منهم . فليكن الأمر كذلك فيما ذهبنا إليه . ثم إذا ألحقناهم بأهل الكتاب ، في أخذ الجزية منهم ، فلا يحل مناكحتهم وذبائحهم ؛ من جهة التردد الظاهر في تكذيبهم ، ولو كان بقي من ينتمي إلى كتاب سوى التوراة والإنجيل ، لرئي منهم حزب يعتزون إلى ملة ، ويشتهرون بها ، فمن هذا الوجه لا نبُيح المناكحة والذبيحة ، ومن حيث إنه لا ينقطع الاحتمال يُحقن الدم بالجزية . وهذا يناظر ما قدمنا ذكره في كتاب النكاح ، حيث قلنا : المتهوّد الذي ينتهي جده العالي إلى التهوّد قبل المبعث ، فالجزية مأخوذة منه ، ومن ينتهي جده العالي إلى اليهود بعد مبعث المصطفى صلى الله عليه وسلم لا تؤخذ الجزيةُ منه ، وقد انتوت ( 1 ) قبائل من العرب ، فتهوّدت ، وتنصّرت ، وأشكل الأمر على نقلة التواريخ ، فلم يحققوا أنهم تهوّدوا ، أو تنصروا قبل المبعث أو بعده . وقد قال الشافعي نصاً : " الجزية مأخوذة منهم " ( 2 ) ، ولا تحل المناكحة والذبيحة . 11436 - ومما يتعلق بهذه القاعدة أنا ذكرنا تردّداً في النصوص ، واختلافَ أقوالٍ في أن من لا يكون من بني إسرائيل ، ففي مناكحته كلام ، فأما الجزية ، فإنها مأخوذة . وإن كان [ تمسكه ] ( 3 ) بالدين بعد التغيير إذا كان الانتهاء إلى الدين قبل المبعث ، فالجزية مأخوذة قولاً واحداً ؛ تغليباً للحقن .

--> ( 1 ) انتوت : أي تحوّلت : يقال : انتوى عن الأمر تحوّل عنه . ( المعجم ) . ( 2 ) ر . المختصر : 5 / 196 . ونص عبارة الشافعي رضي الله عنه : " انتوت قبائل من العرب قبل أن يبعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم وينزل عليه القرآن ، فدانت دين أهل الكتاب ، فأخذ عليه الصلاة والسلام الجزية من أكيدر دومة ، وهو رجل يقال : إنه من غسان أو من كندة ، ومن أهل ذمة اليمن وعامتهم عرب ، فدلّ ما وصفت أن الجزية ليست على الأحساب ، وإنما هي على الأديان " . ( 3 ) مكان كلمة غير مقروءة بالأصل . ( انظر صورتها ) .