عبد الملك الجويني

44

نهاية المطلب في دراية المذهب

وذكر الصيدلاني [ في ذلك تفصيلاً حسناً ] ( 1 ) ، فقال : إن ذكروا الله تعالى ، ورسوله صلى الله عليه وسلم بما لا يعتقدونه فيه ديناً مثل : أن يسبوا الرسول صلى الله عليه وسلم أو يطعنوا في نسبه صلى الله عليه وسلم ، فهذا يلحق بالقسم الأول أو الثاني . وأما إذا ذكروا رسولنا صلى الله عليه وسلم بما يعتقدونه فيه ديناً من أنه ليس برسول ، والقرآن ليس بكلام الله تعالى ، فهذا بمنزلة إظهارهم كفرهم من نحو قولهم في المسيح . وهذا ترتيب حسن . والذي أُحبُّه ( 2 ) أن نتخذ هذا الترتيب عماداً ، ونبني عليه التعرض ، ونقول : إن تعرّضوا للإسلام ، وأساءوا لنبينا بما ليس هو من قاعدة دينهم ، ففيه وجهان قدمنا ذكرهما ، أحدهما - أن ذلك كالقسم الأول . والثاني - أنه كالقسم الثاني ، وإن لم يتعرّضوا لديننا ، ولرسولنا صلى الله عليه وسلم ، ولكن أظهروا ، قولهم في المسيح ، وذكروا معتقدهم في التثليث ، فهذا لا يوجب نقض العهد ، ولكنا نؤدبهم لإظهارهم كفرَهم ، كما نؤدبهم لإظهار الخمور ، والخنازير وإسماعنا النواقيسَ ، وإن أظهروا معتقدهم في القدح في الإسلام ، وتكذيب نبينا ، فهذا مختلف فيه : فمن أصحابنا من جعل هذا بمثابة ما لو قدحوا في الإسلام بما لا يعتقدونه ، وهذا بعيد . ومنهم من ألحق هذا بذكرهم المسيح ، وإظهارهم التثليث . هذا هو البيان التام في ذلك . وكنت أحب لو قال قائل في القسم الثاني : لا ينتقض العهد بصدور المضرّات ، ولكن للإمام أن ينقض عهدهم إن شاء . ولم يصر إلى هذا أحد في هذا الفصل ، والقول به ممكن ؛ فإن من أصحابنا من يجوز للإمام أن ينبذ الذمة ، إذا ظهرت منهم تهمة تجر ضرراً ، كما سنذكره . إن شاء الله . فكان لا يبعد أيضاً أن يصح من الإمام شرط النقض إن شاء ، لست أعني شرط الانتقاض ، فإن ذلك قضينا منه الوطر .

--> ( 1 ) زيادة من ( ه‍ 4 ) . ( 2 ) ( ه‍ 4 ) : " والذي يتجه " .