عبد الملك الجويني
39
نهاية المطلب في دراية المذهب
وإن أراد الأصحاب عدّ منع الجزية ، والامتناعَ مغايرين لنصب القتال ، فأقصى الإمكان فيه ما قدّمناه ، وظاهر ما نقله الصيدلاني أن منع الجزية والامتناعَ متغايران ، وهما ينزلان منزلة نصب القتال ، ولفظه في الكتاب : " بعض ما يصدر منه نقضٌ للعهد شرط ذلك عليهم أو لم يشرط ، مثل منع الجزية ، والامتناع عن [ إجراء ] ( 1 ) أحكام الإسلام عليهم ، ونصبِ القتال من غير شبهة " [ ونصبُ القتال من غير شبهة ] ( 2 ) أراد به أن يستعين بطائفة من أهل الذمة أهلُ البغي ، وهذا فصلٌ ذكرته على أقصى الإمكان في التفصيل ، وشفيتُ فيه الغليل . ومما يتعلق بهذا القسم لإتمامه أن الأصحاب جعلوا ما يقع في هذا القسم ناقضاً للعهد بنفسه سواء شرط ذلك أو لم يشرط . ثم القتالُ فعلٌ يعد ناقضاً ، وكذلك ما ألحق به ، إن كان يلتحق به غيره ، والسبب فيه أن الذمّة جائزة من جانب الذمي ، والعهد الجائز إذا انتفى مقصوده بالكلية ، لم يبعد انقطاعه ، وإن كان الصادر ممن انعقد معه فعلاً ، وهذا بمثابة حكمنا بانقطاع الإيداع والائتمان بعدوان المؤتمَن ، وإن كانت صيغة الأمن باقية ( 3 ) ، ولو قاتلناهم ، وخالفنا العهد لم تنتقض الذمة ؛ لأن الذمة في جانبنا واجبة لازمة ، والوفاء بها حتم ، ولو أردنا نبذها من غير سبب ، لم نجد إليه سبيلاً . هذا منتهى ما حضرنا في هذا القسم . 11464 - فأما القسم الثاني - فهو أن يصدر من الذمّي ما هو ممنوع عنه ، وكان ممّا يظهر الإضرار بسببه بالمسلمين ، فإذا كان فيه إلحاق مضرة عظيمة ، فنذكر في هذا القسم ما ذكره الأئمة ، وما ترددوا فيه ، ونبين حكمه . فمما اتفقوا عليه ، وعدوه في هذا القسم أن يزني الذمي بمسلمة ، أو يصيبها باسم النكاح ، أو يؤوي عيناً لأهل الحرب ، أو يكتب إليهم بأسرار المسلمين ، ويطلعَهم على عوراتهم ، أو يفتنَ مسلماً عن دينه ، فالضرر يعظم بهذه الأشياء ، فمنها ما يرجع
--> ( 1 ) في الأصل : " جهات " . ولا أدري لها وجهاً ولا عن أي لفظة صحفت . ( 2 ) زيادة اقتضاها السياق . ( 3 ) صيغة الأمن : أي صيغة الائتمان وصورة الإيداع باقية .