عبد الملك الجويني
34
نهاية المطلب في دراية المذهب
ومعتمد العراقيين أن كل ما يُنقض العهد به وجهاً واحداً ، فلا بدّ من ذكره ، وسنبين أن امتناعهم عن بذل الجزية ، وعن جريان أحكامنا عليهم يوجب نقض عهدهم . ثم استتم العراقيون التفريعَ على ما ذكرناه ، وقالوا : يجب ذكر الجزية والاستسلام للأحكام وجهاً واحداً . وهل يجب أن يذكر في الذمة ألا يتعرضوا للأنبياء بذكر السوء ؟ ذكروا وجهين في اشتراط ذلك : أحدهما - أنه يشترط ذكر هذا ؛ إذ بهذا تحصل المكافّة ، وترك التعرّض منهم لنا ، ومنّا لهم . والوجه الثاني - أن ذلك لا يشترط ؛ فإنا إذا ذكرنا استسلامهم لأحكامنا ، كفى ذلك ، ومن أحكامنا أن نمنعهم عن التعرض ، حتى إن تعرّضوا سيأتي حكم الإسلام فيه ، إن شاء الله تعالى . هذا بيان عقد الذمة . ثم للأصحاب تردّدٌ في أن الذمة المؤقتة هل تنعقد ؟ وسنذكر هذا في باب المهادنة ، إن شاء الله تعالى عند ذكرنا وجوب التأقيت فيها ، وعندها نذكر أن الذمة هل تنقضي باستشعار الخوف قبل تحققه ، وسيأتي إن شاء الله تعالى . 11460 - فأما النوع الآخر الذي نريد ذكره ، وهو أن الأصحاب أطلقوا أن أحكامنا جارية عليهم ، وقد قدّمنا غير مرة اختلاف القول في أنهم إذا جاؤونا راضين بأحكامنا ، فهل يلزمنا أن نحكم بينهم ؟ فعلى قولين ، فكيف سبيل الجمع بين هذا ، وبين إطلاقنا القول بأن أحكامنا تجرى عليهم ؟ قال العراقيون في ذلك : المراد بإجراء الأحكام عليهم أنهم إذا فعلوا ما هو محظورٌ في دينهم ، وكانوا لا يستحلّونه ، فيجري حكم الله عليهم ، إذا كان لا يتعلّق بالدعوى ، وهذا بمثابة ما لو زنى واحد منهم ، وثبت زناه عند حاكم المسلمين ؛ فإنه يقيم على الزاني حدّ الله تعالى ، ولا حاجة إلى رضاه بحكمنا ، وارتفاعه إلى مجلسنا ، بل إذا شهد على زناه أربعة من عدول المسلمين ، أقمنا الحد ، وهذا الذي ذكروه حسن ، ولم أر في طريق المراوزة ما يخالف هذا ، وهو متجه . فأما ما يستحلّونه ، فهو منقسم إلى الخمر ، وغيره ، فأما إذا شرب الخمرَ واحدٌ