عبد الملك الجويني

11

نهاية المطلب في دراية المذهب

وفي بعض التصانيف أن من تهوّد أو تنصّر بعد تبديل الدينين وتغيّر الكتابين ، وقبل مبعث رسولنا صلى الله عليه وسلم ، نظر : فإن تمسك بدين غير مبدّل ، وحدث التبديلُ منه ، ثم أدركه الإسلام ، فلا تقبل الجزية منه ، وإن كان ذلك قبل المبعث ، وهل تقبل من أولاده ؟ فعلى وجهين مبنيين على أن الجزية هل تؤخذ من أولاد المرتدّين ؟ وهذا كلام مختلط لا تعويل على مثله ، والمذهب القطع بأخذ الجزية ممن تمسك بالدين المبدّل قبل المبعث إذا أدركه الإسلام ؛ نظراً إلى تغليب الحقن ، فإذا تعلق بالكتاب ، فليس كله مبدّلاً ، وغير المبدّل منه ينتصب شبهةً في جواز حقن دمه بالجزية ؛ إذ ذلك لا ينحط عن الشبهة التي يتمسك بها المجوس ؛ فلا ينبغي أن يعتد بهذا ، بل الوجه القطع بقبول الجزية ، كما قدّمنا ذكره . 11437 - ومما يجب صرفُ الاعتناء إليه السامرة والصابئون ، وقد اختلفت النصوص فيهم ، فقال في موضع : تؤخذ منهم الجزية ، وقال في موضع : لا تؤخذ ، فاختلف طرق الأئمة ، فذهب ذاهبون إلى أن النصين محمولان على تقديرين ، فحيث ألحقهم باليهود والنصارى في قبول الجزية منهم أراد إذا كانوا لا يخالفونهم في أصول الدين الذي يجرى فيه التكفير بينهم ، وإنما يخالفونهم في الفروع ، أو ما يقع بمثله التضليل ، وحيث قال : لا تؤخذ منهم الجزية ، حُمل الأمر على أنهم يخالفونهم في أصل الدين ، وسبب تردد النصين تردد الشافعي في عقدهم . وقد ذكرنا في كتاب النكاح هذا التردد في المناكحة ، واستحلال الذبيحة ، والوجه أن نقول : إن جوزنا مناكحتهم ، فلا شك أن ذلك محمول على ظاهر تعلقهم بالتهوّد والتنصّر ، ورجوع مخالفتهم إلى ما لا يخرجهم من أصل الملّتين . ثم على هذا لا شك أن الجزية مأخوذة منهم ، والتردد في أخذ الجزية يجري على ترتيبٍ سأصفه في آخر هذا الفصل ، إن شاء الله . والذي يعرض في الفكر من أمرهم ، أنهم وإن خالفوا في الأصول ، فلا يخرج السامرة والصابئون من التمسك بالتوراة والإنجيل ، ثم لا ينحط تمسكهم بها عن تمسك المجوس بشبهة كتاب قدِّر لهم .