عبد الملك الجويني

48

نهاية المطلب في دراية المذهب

إن الأمة تشهد الآن صحوة إسلامية واعدة ، وعلماء الفقه أعجز من أن يقودوها وحدهم ، بل ليس من الصواب أن يقودوها وحدهم ، إن عالم القانوني المدني والجنائي والدستوري ، وعالم الاقتصاد ، وعالم البيئة وعالم التربية كل هؤلاء - وغيرهم - الآن يحاولون بَجدْع الأنف استمداد معارفهم من تراثنا الفقهي بدلاً من استمداده من مصادر الغرب ، ونظرياته ، ولكن يحول بينهم صعوبة ، بل تعذر الوصول إلى ما يريدونه من كتبٍ هي في حدِّ ذاته صعبة المراس حتى على أصحابها الذين يعيشون في ظلها طوال أعمارهم . ولا منجى من هذا الانفصام النكد بين الفقه الإسلامي وأصحاب العلوم الأخرى إلا بالفهرسة الواعية والتكشيف الكامل لأمهات كتب الفقه . فإذا تم ذلك نكون قد جَسَرْنا الفجوة - التي صُنعت بنا أو لنا - بين علماء الأمة ، فجعلت هؤلاء علماء ( دين ) لا يعرفون من علوم الدنيا شيئاً ، وهؤلاء علماء يعرفون الدنيا ولا يعرفون من أمر الدين شيئاً . إذا تم ما ندعو إليه يعود لنا الطبيب الفقيه كابن رشد ، ونعود نرى ما نقرؤه في ترجمة أئمتنا حين يعددون العلوم التي أحاط بها المترجَم ، ثم يقولون : وعلمه الذي عُرف به كذا ، وتعود كل العلوم والمعارف إسلامية كما كانت . ويتكرر ما رأيناه من براعة إمام الحرمين في الجبر والمقابلة ، وما حكاه في النهاية عن الإمام أبي منصور البغدادي ، والإمام عبد الرحيم أبي نصر القشيري . وإلى الله الملجأ ومنه العون . . . . بقي أمر آخر لا بد من الإشارة إليه ، وهو أننا بذلنا جهداً ووقتاً في تقسيم الكتاب كله إلى فقرات مرقمة على نية أن تبنى فهارسه على الأرقام ، لا على الصفحات ، لما لذلك من توفير للجهد عند إعادة الطبعات ، ولما ييسّره للباحثين عند مراجعة بحثٍ ما مع اختلاف الطبعات ، وهذا ما جرينا عليه في الكتب التي أخرجناها لإمام الحرمين : ( البرهان ) و ( الغياثي ) و ( الدرة المضية ) .