عبد الملك الجويني

36

نهاية المطلب في دراية المذهب

ماذا بعد : كان المأمول بعد هذه الجهود الرائدة ، وما تلاها من أعمالٍ علمية جادة ، أن تنضج صناعة الفهارس ، وتتضح مناهج التحقيق ، وألا يخرج كتاب بغير فهارس ، ولكن للأسف عم الفساد وطم ، وكما قال شيخنا أبو غدة : " كُسر سياج العلم ، فغدا كل متفرج على كتب الحديث محدثاً ، وكل مشتم لشمَّةٍ من العلم عالماً محققاً ، واندلقت الكتب الغُثاء من المطابع ، واختلط الجيد بالرديء ، والضار بالنافع . فإنا لله " اه‍ ( 1 ) . وأخيراً نقول : مع كثرة هذا الغثاء الذي شكا منه الشيخ العلامة أبو غدة ، ومع قولهم : إن العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة ، مع كل هذا ستظل الأعمال الجادة - وهي ليست بالقليلة - علامات على الطريق . ولقد حاولت منذ سنوات أن أصنع شيئاً لوقف هذا البلاء ، وكاتبت علماء كباراً ، أصحابَ رأي وقرار ، واقترحت عليهم الإعداد لمؤتمر علمي ينظر في قضية التراث ، تراث الأمة ، ويضع الضوابط للعمل في إحيائه ، ويبحث في وسائلَ قانونية وإجرائية للضرب على أيدي العابثين بالتراث ؛ فإن دار نشرٍ واحدة عبثت بمئات الكتب الأمهات ، وأخرجتها تحت أسماء غِلْمة لا يعرفون كيف يقرؤون صفحة واحدة فيها . مكنت هؤلاء الغِلمة من العبث بالحواشي والتعليقات والفهارس التي أضنى محققون كبار ، وعلماء أعلام أنفسهم في وضعها . أقول : حاولت ذلك منذ سنوات ، ولم يتم ما أردنا ؛ فإلى أن يتم ذلك ندعو الناشرين الجادين أن يعلموا أن صناعة النشر علمٌ ، وأن العلم عندنا دين وعبادة ، فلينظروا ماذا ينشرون وكيف ينشرون . تنبيه : وهناك أمر لا بدّ من التنبيه إليه ، وهو أن بعض أهل العلم قرأ كلمةً للشيخ أبي غدة على غير وجهها ، وحملها على غير محملها ، وذلك حين قال الشيخ " وقد ترددت كثيراً

--> ( 1 ) من تعليقه على رسالة ( تصحيح الكتب وصنع الفهارس ص 41 ) .