عبد الملك الجويني

37

نهاية المطلب في دراية المذهب

في صنع فهارس هذا الكتاب ( 1 ) ، نظراً لما يذهب من الوقت في تأليف فهارسه وضبطها وإتقانها . . . ، فقد أخذ مني صُنع هذه الفهارس وضبطها . . . ومقابلتها بالكتاب أكثر من ثلاثة أشهر - مع بعض أعمال صغرى خفيفة - فتمنيت لو كنت صرفت ذلك الزمن في خدمة كتابٍ آخر ، ولكن ما كل الأماني تُرتضى ! " . فظن أن الشيخ قد ندم على إنفاق هذه المدة في صنع هذه الفهارس ، وأن الأولى ، أو الأصوب ، كان إنفاق هذا الوقت في خدمة كتاب آخر ، ولكن هذه قراءة غير صحيحة لعبارة الشيخ ؛ فالشيخ يقول : " وما كل الأماني تُرتضى " أي هناك ما يتمناه المرء ، وتنازعه إليه نفسه ، ولكنه ليس مقبولاً ، ولا مرضياً . وربما ساعد على هذا الفهم الخاطىء تعليقُ الشيخ أبي غدة على عبارة العلامة الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد ؛ إذ قال : " وصدق الشيخ " أي صدقه في جوابه للأستاذ فؤاد سيد عندما سأله : لماذا لا تهتم بفهرسة ما تنشر يا مولانا ؟ فأجاب : أمن أجل خمسةَ عشرَ مستشرقاً أُضيِّع وقتاً هو أولى بأن يُصرف إلى تحقيق كتاب جديد ؟ " فعلّق الشيخ أبو غدة قائلاً : " وقد صدق الشيخ ؛ فإنها - أي الفهارس - تذهب بالوقت الثمين ، ولا يشعر به القارئ " انتهى ولكن الشيخ أبا غدة - في الواقع - يُصدّق الشيخَ ( محمد محيي الدين عبد الحميد ) في " أن الفهارس تأكل الوقت الثمين ، ولا يشعر به القارئ " ولكنه لم يوافقه على منهجه في ترك الفهرسة . وقد قطع الشيخ أبو غدة هذا الوهمَ في فهم كلمته ، بما كان من عمله حتى وفاته ، فلم يخرج له كتاب من غير فهارس علمية شافية كافية ، ليس الكتب التراثية فقط بل حتى كتبه المؤلفة مثل كتاب ( تراجم ستة من فقهاء العالم الإسلامي ) . بل إن العلامة الطناحي الذي نقل عبارة الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد عن الفهارس هو الذي قال عنه في كتابه نفسه : " على أن الشيخ محيي الدين لم يهمل الفهارس بمرة ، فقد صنع فهرساً جامعاً لألفاظ

--> ( 1 ) يقصد كتاب ( الانتقاء في فضائل الأئمة الثلاثة الفقهاء ) ، لابن عبد البر .