عبد الملك الجويني

25

نهاية المطلب في دراية المذهب

عام ، وأن الرعيل الأول من المحققين في العصر الحديث اهتم بها ، وأخذ في صناعتها بصورة كاملة منذ 1914 م ، وبرغم كل الدعوات والنداءات من أئمة الفن ، فن التحقيق - نجد كثيراً من الناس لا يعرف لهذه الفهارس قيمتها ، ولا يدرك فائدتها . وتقديري أن هذا يرجع إلى قصورٍ في مناهج التعليم ، التي تخلو من التدريب العملي على البحث ، وتترك من يقدر له أن يكون من أهل البحث أن يشق طريقه في الصخر بأظافره ، ويظل يضرب يمنة ويسرة بالمحاولة والخطأ ، حتى يصل إن قدر له أن يصل . * أذكر عندما خرج كتاب ( البرهان في أصول الفقه ) أن ضمَّنَا مجلس من أهل العلم ، وكان الثناء على تحقيقه موضوعَ الحديث ، إلا أن أحد كرام الحاضرين - وهو في منزلة شيوخي - سألني بصوتٍ عالٍ : ما معنى هذه الفهارس والصفحات الكثيرة في آخر الكتاب ؟ ما قيمة أن أعرف أن القاضي الباقلاني تكرر في ( البرهان ) مائة مرة ؟ ولمنزلة الشيخ ومكانته لم أشأ أن أردَّ ، أو بالتحديد لم أستطع أن أجيبه ، فأنا من جيل يعرف للشيوخ منزلتهم ، ويقدرهم ويهابهم . لم أستطع أن أنصِّب نفسي معلِّماً للشيخ الجليل ، فأقول له : إن قيمة هذا الفهرس أنه يأخذ بيدك ، ويضع أصبعك على كل ما نقله إمام الحرمين عن القاضي الباقلاني ، وتعرف فيما وافقه وفيما خالفه . ثم تجد بين يديك نصوص ( القاضي ) وهي مفقودة ، لم تصل إلينا بعد . ثم نعرف جذور الأفكار وأصولها ، فما نقرؤه في كتاب فلانٍ وفلان ، من المتأخرين ، نعرف مصدره . ثم قد نصحح شيئاً من الأوهام في النقل ، فقد نجد فيما نقله إمام الحرمين في البرهان ما يخالف بعضَ ما هو منسوب للباقلاني في كتب المتأخرين . لم أستطع أن أقول ذلك ، وهو بعضٌ مما يقال عن قيمة الفهارس العلمية وفوائدها . * وشيخنا هذا ليس وحده بل بعض أهل الفضل من المشتغلين بالتحقيق ، ولهم فيه باع ، قد يغفل أحياناً عن قيمة الفهارس ، فقد عارض قولي أحدهم ذات يوم - مع أنه من