عبد الملك الجويني
94
نهاية المطلب في دراية المذهب
القصاص مقصودها المال ، وما كان المقصود فيه المال ، فهو يثبت بالشاهد والمرأتين . والجناية التي توجب القصاص مقصودها القصاص ، وما لا يكون المال مقصوداً فيه ، وهو مما يطلع عليه الرجال ، فلا يثبت بشاهد وامرأتين . وهذا يرد عليه نوعان من السؤال : أحدهما - أن قائلاً لو قال : هلا خرّجتم ذلك على موجب العمد ، واختلاف القول فيه حتى تقولوا : إن قلنا موجَبُ العمد القود ، فالجناية لا [ تثبت ] ( 1 ) أصلاً ، فإن قلنا : موجبها القود أو الدية ، فليس أحدهما أن يكون مقصوداً أوْلى من الثاني ، فلا يبعد أن يقال : تثبت الجناية مقتضية للمال ، ولا يثبت القصاص ؟ قلنا : نحن لا نشك أن المقصود الذي هو الأصل في جراح العمد القصاصُ ؛ وليس المعنيُّ بقولنا : المالُ أحدُ الموجَبين ( 2 ) أنه يضاهي القصاص ؛ فإنّ غرض الشرع إثبات ما يزجر المعتدين ، ولا يقع الزجر - فيما فهمناه من مقصود الشرع - بالغرم المالي ، والدية حيث يفرض القصاص إنما تثبت حتى لا تتعطل الجناية ولا تقع هدراً ، وهذان [ الأمران ] ( 3 ) مفهومان من غرض الشرع ، فيخرج منه أنا وإن قلنا : المال موجب ، فلسنا ننكر كون القصاص مقصوداً ، فهذا ما يضبط به أصل الباب . 10966 - ويتصل بهذا المنتهى أن المدعي لو عفا عن القصاص أولاً ، ثم أراد إقامة شاهد وامرأتين ، فهل يثبت المال والجناية في أصلها موجبةٌ للقصاص ؟ فعلى وجهين مذكورين في الطرق : أحدهما - أن المال يثبت ؛ فإن القصاص خرج عن كونه مقصوداً بالعفو ، وتعيّن المال ، وإذا صار المال مقصوداً ، وجب ألا يمتنع ثبوته بالشاهد والمرأتين . والوجه الثاني - أن الجناية لا تثبت إلا بشهادة عدلين ، فإن الشاهد يسند شهادته إلى ما كان ، والعفو جرى بعد مستند الشهادة ، فكأن ( 4 ) أحد القائلَيْن ينظر إلى أصل
--> ( 1 ) في الأصل : " توجب " . ( 2 ) ت 4 : " الوجهين " . ( 3 ) في الأصل : " الإقراران " . ( 4 ) ت 4 : " وكأن " .